فهرس الكتاب
كُلٌّ ابْنِ أنْثَى وإنْ طَالَتْ سَلامتُهُ ... يَومًا عَلى آلةٍ حَدْبَاء مَحْمُوْلُ
وعلم أن التراب بعد الفرش مضجعه، وأن الدود والحشرات أنيسه، وأن القيامة الكبرى موعده، وأن الجنة أو النار مورده بعد ما يعاني من الأهوال والمزعجات اللاتي يشيب منها الولدان، فإذا جعل هذا نصب عينيه ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا وأمعن في التفكير فيه فلا بد أن يكون لذلك تأثير بإذن الله ويكون الموت وما بعده نصب عينيه إن قام أو قعد أو مشي أو اضطجع وتهون عليه الدنيا ومصائبها ويدعوه ذلك إلى ترك ما زاد على زاده إلى الآخرة وذكر الموت نوعان: نوع باللسان فقط والنوع الآخر: وهو النافع المجدي بإذن الله ذكره بالقلب لأنه المثمر للعمل الصالح.
تَأهَّبْ للَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ ... فإنَّ الموتَ مِيْعَادُ العِبَاد
يَسُرُكَ أن تكونُ رفيقَ قومٍ ... لَهُمْ زادٌّ وأنْتَ بِغَيْرِ زَاد
شعرًا:
ولا تَلْهُ عن تَذْكارِ ذَنْبِكَ وابْكهُ ... بِدَمْعِ يُضَاهِي الوَبْلَ حَالَ مُصَابه
ومَثّلْ لِعَيْنَيْكَ الحِمَامَ وَوَقْعَه ... وَرَوْعَةَ مَلْقَاةُ ومَطْعَمَ صَابِه
وَأنَّ قُصَارَى مَسْكَنِ الحَيّ حُفْرَة ... سَيْنزِلُهَا مُسْتَنْزِلًا عَنْ قُبَابِه
وقال آخر: لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رق أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة لما طفرت بك الشهوة.
قال أحد العلماء: اعلم أن من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها في أول صدمةٍ كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه.
لأن مدحهم إياه إن كان بحث وبلغه مدحهم له أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله وإن كان بباطل فبلغه فسره فقد صار مسرورًا بالكذب وهذا نقص شديد.
وأما ذم الناس إياه فإن كان بحث فبلغه فربما كان ذلك سببًا إلى تجنبه ما يعاب عليه وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص العقل.
وإن كان الذم له بباطل وبلغه فصبر اكتسب فضلًا زائدًا في الحلم والصبر وكان مع ذلك غانمًا لأنه يأخذ حسنات من ذمه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا مجنون أو في غاية الحمق