الصفحة 24 من 145

والجهل.

وأما إن لم يبلغه مدح الناس إياه فكلامهم وسكوتهم سواء وليس كذلك ذمهم إياه؛ لأنه غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم أو لم يبلغه.

وقال آخر: اعلم أن الذام لك لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إما رجل ذمك نصحًا وإشفاقًا عليك فهو عظيم المنة واجب الطاعة فمم يكون غضبك من نصح المشفق عليك لقد عظمت مصيبتك أن تغضب على كل من نصحك.

وأما الخصلة الثانية: فرجل غير ناصح لك فذمك بما عرفه فيك علمه منك وأظهره بسببك فوجب عليك قبول الحق إن كان صادقًا في مقالته ودع الحقد عليه وبادر بالإنابة قبل الفضيحة في الآخرة كما افتضحت بالدنيا.

وأما الخصلة الثالثة: فرجل اجترأ على الله بباطل افتراه وبزور يقوله عليك ليسبك به فقد أتى البائس على نفسه.

وأما الذي نلت منه من الأذى وقول الزور فيك فبما كسبت يداك وعقوبة الذنوب وكفارة المساوئ وأجر عظيم يساق إليك لم تتعب عليه لا في صيف ولا شتاء وهو أحسن من الذهب والفضة والفلل والعمائر وسائر أمتعة الدنيا التي ربما كانت عذابًا في الدنيا والآخرة.

فعلى العاقل أن يغتنم نفع المذمة فغالبًا تكون الحسنات التي تأتيك من عدوك أكثر من الحسنات التي تأتيك من صديقك لأن صديقك يدعو لك.

فإما أن يجاب أو لا وأما عدوك فيقع فيك ويغتابك وإنما هي حسنات يزفها إليك عفوًا صفوًا حلالًا كما قيل:

يُشَاركُكَ المُغْتَابُ فِيْ حَسَنَاتِهِ ... ويُعْطِيكَ أجْرَي صَومِهِ وصَلاتِه

ويَحَملُ وِزْرًا عَنْكَ ظَنَّ بحَمْلِهِ ... عن النُجْبِ مِنْ أبِنَائِهِ وبَنَاتِه

وغَيْرُ شقي مَن يَبْيتُ عَدُّوهُ ... يُعَاملُ عنه الله فِيْ غَفَلاتِه

فلا تعجبُوا مِن جَاهل ضَرَّ نَفْسَهُ ... بإمْعانِهِ فِيْ نَفْع بَعْضِ عُدَاتِه

وأعْجَبُ منه عاقلٌّ باتَ سَاخِطًا ... على رجل يُهْدِي له حَسَنَاتِه

ويَحْمِلُ مِن أوزَارِهِ وذُنُوبه ... ويَهْلِكُ فِيْ تَخْلِيْصِهِ ونجاتِه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت