فهرس الكتاب
القسم الأول: صبر عمن يقدر عليك ولا تقدر عليه وهذا ذل ومهانة وليس من الفضائل، والرأي لمن خشى لما هو أشد مما يصير عليه المصارمة والمتاركة والمباعدة.
والقسم الثاني: صبر عمن تقدر عليه ولا يقدر عليك فهذا فضل وبر وهو الحلم على الحقيقة وهو الذي يوصف به الفضلاء.
والقسم الثالث: الصبر عمن لا تقدر عليه ولا يقدر عليك، وهذا ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه إلا على سبيل الغلط، ويعلم قبح ما أتى به ويندم عليه فالصبر عليه فضل وهم حلم على الحقيقة.
وأما من كان لا يدري مقدار نفسه ويظن أن لها حقا يستطيل به فلا يندم على ما سلف منه فالصبر عليه ذل للصابر وإفساد للمصبور عليه لأنه يزيد شره.
والمقارضة له سخف والأحسن إعلامه بأنه يقدر على أن ينتصر منه، وإنما تركه استرذالًا له فقط وصيانة عن مراجعته، وقديمًا قيل:
إذا أنَتَ أكرمتَ الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمتَ اللئيم تَمَرَّدا
فوضعُ النَّدا فِيْ مَوضِعِ السَّيْفِ بالعُلا ... مُضِرُّ كَوَضْعِ السَّيفِ فِيْ مَوْضِعِ النَّدَا
آخر:
وكم مِن لَئِيْم وَدَّ أنِّيْ شَتَمْتُهُ ... وإن كانَ شَتْمِي فيه صَابٌّ وعَلْقَمُ
ولَلْكَفُ عن شَتْمِ اللئِيْمِ تَكَرُّمًا ... أضَرُّ لَهُ مِن شَتْمِهِ حِيْنَ يُشْتَمُ
من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو يقدر عليه كان كمن يغرس الأثل والسدر ونحوهما في الأرض التي يزكو وينموا فيها النخيل والزيتون والتفاح والرمان ونحوها.
نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك التمر والحلوى من به مرض السكر وكمن به حرق والفلفل لمن به قرحة.
شعرًا:
سَأكتُم عِلْمِي عن ذَوِي الجَهْل طَاقَتِي ... ولا أنْثُر الدُّرَ النَّفِيْسَ عَلَى الغَنَم
فإنْ يَسَّرَ الله الكريمُ بفضلِهِ ... فَصَادَفْتُ أهلًا لِلْعُلُومِ ولِلْحِكَمْ
بَثَثْتُ مُفِيْدًا واسْتَفَدْتُ وِدَادَهُم ... وإلا فَمَخْزُوْنٌّ لَدَيَّ ومُكْتَتَمْ
فَمَنْ مَنَح الجُهَّالَ عِلْمًا أضَاعَهُ ... ومَن مَنَعَ المُسْتَوِجِبْينَ فقد ظلم