فهرس الكتاب
فائدة
إحالة الأعمال الصالحة إلى وجود الفراغ من أمور الدنيا من الحمق لوجوه منها: إيثار الدنيا على الآخرة والله يقول: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16 - 17] .
والثاني: أن تسويف العمل إلى أوان فراغه دليل على جهل الإنسان وغباوته؛ لأنه قد لا يجد مهلةً فربما اختطفه الموت قبل ذلك وربما يزداد شغله؛ لأن أشغال الدنيا يجذب بعضها بعضًا ولا تنتهي غالبًا إلا بالموت.
قال الشاعر:
وما قَضَى أحدٌ مِنْها لُبَانَتَهُ ... ولا انْتَهَى أرَبٌ إلاَّ إِلَىْ أرَبَ
فالواجب على الإنسان المبادرة إلى الأعمال الصالحة على أي حال كان وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل مفاجأة هادم اللذات وأن يتوكل على الله ويطلب منه العون في تيسيرها إليه وصرف الموانع الحائلة بينه وبينها.
قال الشاعر على اغتتام الوقت:
وخُذْ مِن قَرِيبٍ واسْتَجِبْ واجْتَنِبْ غَدًا ... وشَمِرّ عَنِ السَّاقِ اجْتِهَادًا بِنَهْضَة
وكُنْ صَارِمًا كالْوَقْتِ فالمَقْتُ فِيْ عَسَى ... وإِيَّاكَ مَهْلًا فَهْيَ أخْطَرُ عِلَّة
وسِرْ زَمِنًا وانْهَضْ كَسِيْرًا فَحَظّكَ الْ ... َبَطَالَةُ ما أخَّرْتَ عَزْمًا لِصِحَّة
وجُذَّ بِسَيْفِ اَلْعَزْمِ سَوْفَ فإن تَجُدْ ... تَجِدْ نَفَسًا فالْنَّفْسُ إنْ جُدْتَ جَدَّت
قال الفضيل بن عياض: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعًا وعز الإسلام وأهله.
ولكنهم أذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس فذلوا وهانوا على الناس. انتهى.
ولَو أنَّ أَهْلُ اَلْعِلمِ صَانُوهُ صَانَهُم ... ولَوْ عَظَّمُوهُ فِيْ الْنُّفُوسِ لَعُظّمَا