الصفحة 61 من 145

أموالهم الناصح لجماعتهم المجتهد في العبادة المقيم على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينبذ من فوقه ولا يسخر ممن دونه ولا يأخذ على علم علمه الله له حطامًا من الدنيا.

قلت: هذا يعز وجوده في زمننا.

وقلت: هذا في زمنه رحمه الله فكيف لو رأى أهل زماننا وما دهاهم من أنواع المعاصي والشرور والتكالب على الدنيا والزهادة في الآخرة.

وعن سفيان بن عيينة قال: جاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه. فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، قال: أردت أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه.

وعن ميمون بن مهران. قال: بعث الحجاج بن يوسف إلى الحسن وقد هم به فلما دخل عليه وقام بين يديه قال: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب قال كثير قال فأين هم قال: ماتوا قال: فنكس الحجاج رأس وخرج الحسن.

وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إن العالم إذ لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفاء.

ووأسفاه على وقت كان فيه العلماء العاملون بعلمهم أعز من الملوك نفوسًا وأوطأ جانبًا من الفقراء وأغير الناس على الدين وأزهدهم في حطام الدنيا وأشد أخذا لأحكام الله ورغبة فيما أعده لأوليائه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حكي عن بعض المتقدمين أنهم كانوا يختبرون المتعلم مدة في أخلاقه فإن وجدوا فيه خلقا رديئا منعوه من العلم، وقالوا: إنه يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الرديء فيصير العلم آلة شر في حقه.

وقد قالت الحكماء: زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول الحنظل المر كلما ازداد ريا ازداد مرارة.

وفي قول الله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} تنبيه على أن حفظ العلم عن من يفسده ويستضر به أولى.

وقال بعض العلماء وهذا كله صحيح مجرب فينبغي للعالم أن يتبنه لهذا ولا يهمله بل يراعيه ويمتثله ولا عبرة بما يتوهمه في تعليمهم من وجود مصالح على تقدير حصول توفيق الله تعالى لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت