فهرس الكتاب
؛ لأن يعملوا ببعض ما يتعلمونه من العلم الصحيح إن كانت لهم ولاية حكم أو غير ذلك.
فإن المفاسد التي تقع بسبب ذلك لهم في خاصة أنفسهم والمفاسد التي تتعدى إلى غيرهم أكثر.
ومن القواعد المقررة (أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح) .
أما المفاسد التي تختص بهم فهي تقوية صفاتهم الذميمة وأخلاقهم الفاسدة اللئيمة بما يطلبونه من العلم لأنهم يتوسلون به إلى مطالبهم الدنيوية على غاية الكمال والتمام، فهم بالحقيقية يجعلونه كالشبكة والفخ يصطادون به حطام الدنيا.
فإذا استشعروا بذلك توجهوا بهممهم إليه وعكفوا بالجد والاجتهاد عليه ولولا هذا الاستشعار لم يتصور منهم ذلك فإذا حصلوا على شيء من ذلك وظهر مخايل وصولهم إلى أغراضهم الدنيوية فرحوا بذلك.
وهذا الفرح والاغتباط في غاية الذم منهم؛ لأن ذلك متعلق بأسباب الدنيا وهي بمنزلة السم القاتل الذي يوجب موت قلوبهم وبعدها عن التأثر المواعظ والحكم كما قيل:
إذا قَسَى القَلْبُ لم تَنْفَعْهُ مَوْعِظَةٌ ... كالأرضِ إنْ أسْبَخَتْ لم يَنْفَعِ المَطَرُ
وعند ذلك تنتعش نفوسهم وتتقوى صفاتها الذميمة وتظهر آثار ذلك على ظواهرهم من التكالب على الدنيا والركون إليها وإلى من هي عنده من المترفين وليس لهم ما يتوسلون به إليهم سوى علمهم فيحتالون على تحصيل إقبالهم عليهم وصرف وجوههم إليهم بالتفنن عندهم بأنواع الحيل.
ولا يسلمون في ذلك من الرياء والنفاق والتصنع والدهان والكذب والغيبة ويجرهم ذلك إلى أنواع من المحرمات وصنوف من العصيان مع ما يحل بهم من الذل والإهانة ونحو ذلك.
وأما الفساد الذي يتعدى منهم إلى غيرهم فهو وقوع الاغترار للجهلة والأغمار والمغفلين بمشاهدة حالهم فإنهم يشاهدونهم قد حازوا من رتب الدنيا ما أرادوه ويتوهمون أنهم نالوا شرف الآخرة بما أفادوه واستفادوه فيقتدي بهم الجهلة والأغمار والمغفلون.
فيقعوا فيما وقعوا فيه من المهالك أو يؤديهم ذلك إلى تعظيمهم ومحبتهم وموالاتهم واتخاذهم أربابًا يسمعون منهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم.
ثم يخرج بهم استحسان حالهم إلى الداء الدفين وهو مسارقة طباعهم الدنيئة وأخلاقهم الرديئة