فهرس الكتاب
فصل
كان الفقهاء يتواصون بينهم بثلاث ويكتب بذلك بعضهم إلى بعض من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته ومن أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله تعالى فيما بينه وبين الناس.
وقال محمد بن كعب القرظي: إذا أرد الله تعالى بعبد خيرًا جعل فيه ثلاث خلال: فقه في الدين وزهادة في الدنيا وبصر بعيوبه.
وقال الحسن بن صالح: العمل بالحسنة قوة في البدن ونور في القلب وضوء في البصر والعمل بالسيئة وهن في البدن وظلمة في القلب وعمى في البصر.
وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز يعظه: احتمال المؤنة المنقطعة التي تعقبها الراحة الطويلة خير من تعجل راحة منقطعة تعقبها مؤنة باقية وندامة طويلة.
واعلم أن الهول الأعظم أمامك ومن وراء ذلك داران إن أخطأتك هذه صرت إلى هذه وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.
وكتب أحد عمال عمر بن عبد العزيز إليه:"إن مدينتنا قد تهدمت فإن رأى أمير المؤمنين، أن يقطع لنا مالا نرمها به فعل فكتب عمر إليه إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه عمارتها".
وقيل الدين والملك أخوان توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدين أساس الملك ثم صار الملك بعد حارسًا للدين فلا بد للملك من أساس ولا بد للدين من حارس وما لا حارس له فهو ضائع وما لا أساس له فهو مهدوم.
كان جماعة من الملوك يوعظون فيؤثر الوعظ في قلوبهم فيخرجون من ملكهم ودنياهم ويزهدون وكان فيهم من يتفكر في نفسه ويعلم انقطاع الدنيا عنه وقرب رحيله منها ويخاف شدة الحساب وأهوال القيامة وما إلى ذلك فينفر من الدنيا ويزهد في الولاية وكل من تدبر القرآن وتأمل أحوال من مضى لا بد أن يتأثر ويتجافى عن الدنيا ولكن مقل ومكثر إلا من عميت بصيرته.