الصفحة 91 من 145

موعظة

قال بعضهم: يا أيها الناس اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قتلت.

ولو كانَتِ اَلْدُّنْيَا مِن الإنْسِ لَمْ تَكُنْ ... سِوَى مُوْمِسٍ أَفْنَتْ بِمَا سَاءَ عُمْرُهَا

آخر:

ولو كانَتِ اَلْدُّنْيَا عَرُوسًا وجَدتَهَا ... بِمَا قَتَلتْ أوْلادَهَا لا تَزَوَّجُ

وكم مطمئن إليها خذلت فانظر إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها دار نفاد لا دار أخلاد ودار عبور لا دار حبور ودار فناء لا بقاء ودار انصرام لا دار دوام جديدها يبلى وملكها يفنى وعزيزها يذل وكثيرها يقل ودها يموت وخيرها يفوت.

وقد تطابق على ما ذكر دلالات قواطع النقول وصحاح العقول والطغام وقضى به الحس والعيان حتى لم يقبل لوضوحه إلى زيادة في العرفان.

ولَيْس يَصحُ فِيْ الأذْهَان شيء ... إذا احْتَاجَ اَلْنَّهارُ إِلَىْ دَليل

ولما كانت الدنيا بهذه الحال التي ذكرت والعظة التي تقدمت جاء في القرآن الكريم من التحذير عن الاغترار بها والركون إليها والاعتماد عليها ما هو أعرف من أن يذكر وأشهر من أن يشهر.

وكذلك جاءت الأحاديث النبوية والآثار الحكيمة فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العلماء العقلاء الزهاد.

العاملون بعلمهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم لم يركنوا إلى الدنيا بل اتخذوها مطية إلى الآخرة.

لا علماء الألسن الذين يلبسون للناس جلود الظأن من اللين وقلوبهم قلوب الذئاب الذين يتخللون بألسنتهم كما تتخلل البقرة بلسانها، قال بعضهم وأجاد في وصف الدنيا.

أَلاَ إنِّما اَلْدُّنْيَا كَجِيَفِة مَيتَةٍ ... وطُلاّبُهَا مثْلُ الكِلابِ الهَوَامِس

وأَعْظَمُهُمْ ذَمًا لهَا وأشدُّهُم ... بها شَغفًا قَومٌ طِوَالُ القَلاَنُس

وختامًا فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال: فلان مريض أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت