فهرس الكتاب
حكم المسلمون الأندلس قرابة ثمانية قرون وأشادوا فيها نهضة لم يشهدها تاريخ الأندلس من قبل. كانوا مضرب الأمثال في رقيهم العلمي، وتقدمهم العمراني، وتهذيبهم الأخلاقي، والتزامهم بضوابط دينهم، وحسبنا دليلًا على ذلك أن العالم الأوربي كان متخلفًا أمامهم، وكان قادته يرسلون أبناءهم لينهلوا من ينابيع العلم والمعرفة في معاهد الأندلس الشامخة.
وجاء حين من الزمن حاد الأبناء عن نهج آبائهم وأجدادهم الذين أعز الله بجهدهم وجهادهم دينه، وانصرفوا إلى متاع الدنيا وشهواتها، وتنافسوا على الملك، فصارت بلادهم دولًا بعد أن كانت دولة واحدة، وتلقبوا بألقاب الخلافة، فمنهم من تسمى بالمعتضد، ومنهم من تسمى بالمستعين، والمقتدر، والمعتصم، والمعتمد، والموفق، والمتوكل، والمؤتمن، والمظفر.
وكانت هذه الممالك لعائلات متنافسة:
كبني هود، وبني الأفطس، وبني ذي النون، وبني عباد، وغير ذلك. وفي ذلك يقول أبو علي الحسن بن رشيق:
مما يزهدني في أرض أندلس
أسماء مقتدرٍ فيها ومعتضِدِ
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
وكانوا أحيانًا يتحالفون أو يستعينون بالإفرنج لمحاربة إخوانهم وأبناء ملتهم من الممالك المجاورة، أما في تسيير أمور مملكتهم، فكان بعضهم لا يتحرج من تقليد أهم الوظائف لليهود وفي ذلك يقول أبو إسحاق اللألبيري يحرض باديس بن حبوس وقومه صنهاجة على الفتك باليهود:
ألا قل لصنهاجة أجمعين
بدور الزمان وأسد العرين
لقد زل سيدكم زلةً
تقر بها أعين الشامتين
فعز اليهود بها وانتخوا
وتاهوا وكانوا من الأرذلين
فقد ضجت الأرض من فسقهم
وكادت تميد بنا أجمعين
وإني حللت بغرناطة
فكنت أراهم بها عابثين
وقد قسموها وأعمالها
فمنهم بكل مكان لعين
وهم يقبضون حساباتها
وهم يخضمون وهم يقضمون
وهم أمناكم على سركم
وكيف يكون أمين خؤون
وصارت حوائجنا عندهم
ونحن على أبوابهم قائمون
وكيف تكون لنا همة
ونحن خمول وهم ظاهرون