فعن أبي هريرة _رضي الله عنه_ عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:"مَنْ صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر" [أخرجه الشيخان وأحمد] (5)
ولقد وقعت أحداث هامة ومعارك فاصلة في حياة المسلمين في شهر رمضان المبارك. ففيه كانت غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، وفتح مكة سنة ثمان، وأسلمت ثقيف في رمضان بعد قدوم الرسول _صلى الله عليه وسلم_ من تبوك. وكذلك كانت معركة بلاط الشهداء سنة 411هـ في شهر رمضان، وكان فتح العمّوريّة في هذا الشهر المبارك سنة 223هـ.
والأحداث كثيرة في التاريخ الإسلاميّ، تنبئ أنَّ شهر رمضان لم يكن شهر راحة واسترخاء. لقد كان شهرًا جامعًا لأنواع الجهاد الذي شرعه الله لعباده المؤمنين. فالصيام جهاد النفس ومجاهدتها، وكذلك قيام الليل. ومجاهدة النفس هي أول أبواب الجهاد في حياة المسلم، جهاد يمتدُّ معه في حياته كلِّها وميادينه كلّها. ولذلك كان حديث رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يرويه فضالة بن عبيد _رضي الله عنه_:
(المجاهد مَنْ جَاهد نفسه في الله) [أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان] (6) .
ويمتدُّ الجهاد في شهر رمضان المبارك ليبلغ بذل المال والنفس في سبيل الله في مجاهدة أعداء الله. فما كان شهر رمضان معطّلًا لطاقة من طاقات المسلمين في شتَّى الميادين، وإنَّما كان يطلق طاقات المؤمنين على صراط مستقيم بيّنه الله لهم وفصّله، وجعله سبيلًا واحدة وصراطًا مستقيمًا، حتى لا يضلَّ عنه أحد إلا الكافرون والمنافقون.
وكان أداء الشعائر في شهر رمضان والوفاء بها، فرائض ونوافل، ليلًا ونهارًا، ينمّي طاقات المؤمنين لتنطلق في الأرض تبلّغ دعوة الله إلى الناس كافّة، وتجاهد في سبيل الله، لتوفي بالأمانة التي حملها الإنسان، والعبادة التي خُلِق لها، والخِلافة التي جُعِلَتْ له، والعمارة التي أُمِرَ بها ليعمر الأرض بحضارة الإيمان.