كان أداء الشعائر أساسًا حقيقيًّا يقوم عليه الوفاء بهذه المسؤوليات العظيمة في الأرض، والتكاليف الربَّانيّة. كان المؤمنون يعون أنَّ تكاليف الإسلام لا تقف عند حدود الشعائر، ولكنَّ الشهادتين والشعائر تقيم الأركان التي ينهض عليها الإسلام وتكاليفه:
فعن عبد الله بن عمر _رضي الله عنه_ عن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان)
[رواه الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي] (7)
كان المؤمنون المتقون الصادقون يعون هذه الحقائق، ويعون أنّهم لم يُخْلقوا عبثًا، وأنّهم لن يُتركوا سُدىً، وأنَّ الله خلقهم لأداء مهمّة في الحياة الدنيا من خلال ابتلاء وتمحيص.
وكان فضل الله على عباده عظيمًا، حين فرض الشعائر على عباده المؤمنين، لتكون مصدر القوة والطاقة للانطلاق إلى المهمّة العظيمة التي خلق الله الإنسان لها. وجعل مع هذه الشعائر الممتدّة مواسم تتجدّد. وكان صيام شهر رمضان من أعظم هذه المواسم، صيام يتجدّد كلّ سنة، مع نوافل في الصيام متجدّدة كلّ أسبوع أو كلّ شهر، لتُغذّي طاقة المؤمنين لينطلقوا في الأرض. يوفون بالأمانة والعبادة والخلافة والعمارة.
ولا يقف الأمر عند ذلك، ولكنّه يمتدُّ إلى أمور رئيسة عظيمة أخرى في حياة المسلمين بخاصّة وحياة البشريّة بعامّة. إنَّ أحكام صيام شهر رمضان المبارك تهدف في جملة ما تهدف إليه إشعار المسلمين في الأرض كلِّها أنَّها أمّة مسلمة واحدة، تعبد ربًَّا واحدًا هو الله الذي لا إله إلا هو، وتدين بدين واحد هو الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا غيره، وتمضي على صراط مستقيم مشرق بالنّور، بيّن بالآيات المفصَّلات، أمّةً واحدةً رابطتها أُخوّة الإيمان، الرابطة التي لا تعدلها رابطة في ميزان الإسلام:
"إنَّما المؤمنون إخوة ..." [الحجرات: 10]