فهرس الكتاب
وثمة أيضًا في هذه الدوائر التي تتداخل فيها حركات الجذب كما هو مبين سابقًا،"سرد استقصائي"، يعتمد على ملاحقة المشاهد وعلى جزئياتها في كل دائرة، قد تتفتت المشاهد إلى أصغر دوائر التفتت، يستبين المرء فيها حركات الجذب التي تدوم حول مركز الدائرة كبنية اجتماعية قائمة بذاتها، لها علاقات مع مراكز دوائر أخرى تختلف في قوة الجذب والأهمية، ولها علاقات أيضًا دائرة حول مركز الصخرة الكلي الذي تدور الدوائر كلها حوله، والذي ينبع فيه الفعل الدرامي لكن هذا السرد الاستقصائي لم يعتمد النقل فقط، وإحضار هذه المرئيات المفتتة بشكل مباشر بحيث تبدو نوعًا من الإثارة الظاهرية بل داخلها وأنقذها معًا حوار حيّ ينجر أحيانًا بانزلاقات"المراجعة"الكلامية الممتدة التي يمكن الاستغناء عنها... (أمثلة ص8- 37- 95) أين الهر؟ - يقول حمدان /ما بك؟- تقول هدلة/ سرق لنا قطعة لحم كبيرة/ أكلما فقدّتم شيئًا تتهمون هرنا، لولا أنك امرأة /ماذا/ لكنت /إذا كان هرنا يسرق/ حطمت رأسك/ فهو حيوان يا لصوص يا أولاد اللصوص. وحتى لا يتحول هذا السرد الاستقصائي إلى ما يشبه التقريرات دائمًا على سطح مستقيم تسير باتجاه واحد،"تعمل على أن تخبر"أكثر مما"تري"وتحضَّ على المشاركة والتأمل وحقن الرؤيا، نجده يعمق لحظة الالتقاط في المشهد عن طريق"الاستدعاء"أو ما يسمى (فلاش باك) ، فيرجع بشخصية ما إلى أفكار أو صور أو حوارات معينة تضيء جوانب المشهد من وجوهه الضرورية، وتعمق لونه الخاص، وتوحي بدلالاته وترفد زخم حركة الدوائر نحو بناء صميمية الرؤيا في الرواية التي يشكل القارئ طرفًا مهمًا في صوغها. ولهذا بالذات نجد أن مثل هذه"الاستدعاءات"التي تندرج في النص المفتت وهي تسترجع الذكريات والمواقف والتعابير، لا"تسرح عبثًا"بل تُوظّف توظيفًا ضمن الحدود المراد الوقوف عندها للكشف، مما حرك هذه النصوص المجزأة ذات الاسترخاء المرضي.