فهرس الكتاب
اجتهدنا في ذلك؟ الأجابة معروفة. فالظن بأننا نملك كفاءات علمية كثيرة ظن خاطئ، وعلى شعوبنا أن تدرك هذه الحقيقة، فالفرق بين شعوبنا والشعوب الغربية في المجال التكنولوجي يزيد عن قرنين على الأقل، أما في علوم الإدارة فعلى الأقل قرن واحد، وقد يكون الفرق أكبر من ذلك، والفرق هنا كما ونوعا، فزيارة واحدة لمعاهد بحثية غربية تكفي للاقتناع بذلك. ومن الأمثلة التي تصلح كدليل على صحة قولنا هو عمل دراسة لتقييم الرصيد الشعبي من علم التخطيط، هذا العلم الذي يعتبر أحد العلوم الرئيسية وإذا عملنا هذه الدراسة فسنجد ثقافتنا التخطيطية هزيلة، فالفرق بين الرسالة والتوجه والأهداف غير واضح، أما مفاهيم الاستراتيجية والسياسات والإجراءات فهي متناقضة، والتكامل بين الخطط الطويلة والقصيرة ليس عندنا به خبرة، ولا يوجد تقارب في تحديد المسئولين عمن يضعون الخطط، ودور وأهمية المعلومات والدراسات في العملية التخطيطية موضوع لم يسمع به كثيرون منا، أما الأدوات التخطيطية فلا ندري عنها شيئا، ومع هذا نخطط لمؤسساتنا ووزاراتنا ودولنا مع أن كثيرًا منا لم يتخصصوا في علم التخطيط، وإصدار الفتاوى والآراء لا يحدث في هذا المجال فقط بل أيضا في مجالات كثيرة فنجد سياسيين وصحفيين يتحدوثون في قضايا إسلامية ولا علم كافيًا لهم في العلوم الشرعية، ونجد علماء في الشريعة يتحدثون في السياسة، ومهندسين وأطباء يفتون في العلوم الإدارية، وأحزابًا، وجماعات وأفرادًا يتخذون مواقف سياسية مع أو ضد دون معرفة بالواقع السياسي، فيكتشفون بعد سنوات طويلة أنهم كانوا مضللين، وهكذا تجد تصرفاتنا وآراءنا اشجارًا جذورها تمتد في بحيرات الظنون والانفعال والسذاجة والمعلومات المزورة والمثالية، وبإختصار إن رصيد شعوبنا من العلم بكافة أنواعه هو رصيد قليل لا يتناسب مع طموحاتنا وآمالنا، وإذا أدركنا ذلك سنقتنع أكثر بأن إصلاح الواقع يتطلب أولا إصلاح رصيدنا الشعبي من العلم