فهرس الكتاب
اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللّاهُ - بِأَنَّ أَمْرَاضَ القُلُوبِ كُلَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ الجَهْلَ وَدَوَاؤُهَا العِلْمُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّاهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ صَاحِبِ الشُّجَّةِ الَّذِي أَفْتَوْهُ بِالغُسْلِ فَمَاتَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللّاهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ» (1) . فَجَعَل العِيَّ -وَهُو عِيُّ القَلْبِ عَنِ العِلْمِ وَاللِّسَانِ عَنِ النُّطْقِ بِهِ- مَرَضًا، وَشِفَاؤُهُ سُؤَالُ العُلَمَاءِ.
فَأمْرَاضُ القُلُوبِ أَصْعَبُ مِنْ أَمْرَاضِ الأَبْدَانِ؛ لأَنَّ غَايَةَ مَرَضِ البَدَنِ أَنْ يُفْضِيَ بِصَاحِبِهِ إِلَى المَوْتِ، وَأَمَّا مَرَضُ القَلْبِ فَيُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الشَّقَاءِ الأَبَدِيِّ، وَلَا شِفَاءَ لِهَذَا المَرَضِ إِلَّا بِالعِلْمِ (2) .
فَكَمَا أَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلأَرْضِ إِلَّا بِالمَطَرِ، فَكَذَلِكَ لَا حَيَاةَ لِلْقَلْبِ إِلَّا بِالعِلْمِ.
وَلِهَذَا؛ فَإِنَّ الأَرْضَ إِنَّمَا تَحْتَاجُ إِلَى المَطَرِ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، فَإِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهَا احْتَاجَتْ إِلَى انْقِطَاعِهِ، وَأَمَّا العِلْمُ فَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ القَلْبُ بِعَدَدِ الأَنْفَاسِ، وَلَا يَزِيدُهُ كَثْرَتُهُ إِلَّا صَلَاحًا وَنَفْعًا (3) .
فَحَاجَةُ القَلْبِ إِلَى العِلْمِ لَيْسَتْ كَالحَاجَةِ إِلَى التَّنَفُّسِ فِي الهَوَاءِ، بَلْ أَعْظَمُ.
(1) رواه أبو داود (336) ، وحسنه الألباني رحمه الله فِي"صحيح سنن أبي داود" (1/101) .
(2) مفتاح دار السعادة (1/368-370) .
(3) …مفتاح دار السعادة (1/508-509) .