فهرس الكتاب
فمن خلال استخدامه للأضداد (البحر، الصحراء) ، (صخور الصحراء) ، (البدر، الدفء) ، كأن بوشكين يطالبنا بفك طلاسم غايتها فيوحي لنا بالماء (البحر) الذي يتراءى (سرابًا) في الصحراء والبدر يشع (دفئًا) والمألوف أن (البدر) يوحي (بالبرودة) والشمس هي التي توحي بالدفء.
ومن أجواء المسلمين في القوقاز تظهر مفردات مثل (الحريم، الطلسم، الحنان، المنعم) لتعكس الأجواء الأسرية الآمنة التي يعيشها المسلم الشرقي يقول:
في أجمل وقت من عتمة المساء
حيث يمضي المسلم أيامه
في الحريم منعما
هناك سلمتني ساحرة
بحنان طلسما [1]
إن هذه المقاطع تعكس لنا الحالة الكئيبة التي يعانيها الشاعر في منفاه وغربته عن وطنه في الوقت الذي ينعم فيه رب الأسرة المسلم بالدفء في بيته، وطلسم الساحرة الحنون، لم يرتبط بالشعوذة واجتراح المعجزات، فهو لن يدفع المرض ولا الموت، ولن يحمل المنفي إلى الأهل والوطن، ولكنه ذو تأثير معنوي يحمي من ألم جراح الخيانة والهجر.
إن هذه المفردات التي استعملها بوشكين في قصيدته لم تحمل لنا معنى الشرق المسلم الأسطوري، ولا الحريم المشبع بالجنس ونزوات الرجال، ولكنه استعمل هذا للتعبير عن (الحريم) بمعنى (الأسرة) ومنعمًا بمعنى (آمنًا مطمئنًا) . نفس المفردات كانت تعبر لدى أغلب المستشرقين الغربيين عن نزوات الشرق المسلم بحريمه (الجنس) ، ومنعمًا (عابثًا لاهيًا) ، إن شرق بوشكين المسلم هنا هو شرق القوقاز، وفصيح هذا، وهنا نرى أن الشرق المسلم كان شرقًا قريبًا، عايشه الشاعر وأعجب بشخصياته، فعندما يتحدث عن الحريم فهو لا يحمِّل المعاني الايهامات الجنسية، والقمع للمرأة، بحيث لا تعني إلا المتعة فقط. بل هي المرآة الفاعلة في أسرتها شأنها شأن النساء الأخريات، التي تمنح الطمأنينة والحنان إن شرق بوشكين ليس شرقًا متخيلًا وهميًا بل شرق يمور بالحركة ويبدع الشعراء.
أحب القرم أبناءُ سعدي
حيث أبدع هنا يومًا
(1) ص47 المصدر السابق.