فهرس الكتاب
فهذه امرأة تركت عقيدتها القديمة (المسيحية) لأجل القرآن، دون إكراه وهذه ماريا السبية الأخرى بقيت على عقيدتها، بل وتمارس شعائرها دون خوف، أبقت على صليبها ومارست صلاتها في وحدتها:
قناديل النور الموحش
تومئ، حزينًا يبدو
وجه الفتاة الوديعة الطاهر
والصليب عنوان الحب المقدس [1]
وفي قصيدة أخرى يقول بوشكين:
بدا لي أنها وصية القدر
تحدثت بكلام صريح
أين اختفى الخانات؟ أين الحريم
الكل هادئ، الكل كئيب
الكل تغير
ويبتهج نظري النهم
ثانية أمواج القرم
بلد ساحر! متعة العين!
كل شيء حي هناك [2]
إن الشعوب عند بوشكين تتغير وتتقدم، تتحرك إلى الأمام، فالتقدم خصيصة من خصائص الإنسانية. فلا يثبت بوشكين الشرقي المسلم عند لحظة تاريخية معينة، فهو لا يتحدث عن شرق سكوني، بل عن شرق حيوي حيث قانون التطور والتغير يحكم جميع الشعوب، وهذا ما لم يقله المستشرق الغربي عن الشرق المسلم.
إن بوشكين بعد أن عايش الشرق المسلم من خلال القوقاز، يرى أن شرق الخانات والحريم والقصور قد تغير، لأن الشعوب تعيش متغيراتها وفق الأزمنة المختلفة. وينهي بوشكين القصيدة بإمكانية التعايش بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، وليست إمكانية السيطرة والهيمنة هي التي تحكم تفكير الأديب الروسي، بل إن الشعوب على اختلافها يمكن تتلاقى يقول:
ولذكرى ماريا البائسة
أمام نافورة مرمرية
في زاوية القصر المنعزل
وفوقها صليب يظلل
الهلال المحمدي [3]
هذه هي رؤية أعظم شاعر روسي للشرق المسلم، وهذه رؤيته للإسلام وللقرآن، هذه هي الصور عن الشرق الإسلامي التي كرسها من خلال شعره في وجدان الروسي المثقف، والمواطن العادي، وأورثها للأجيال المتعاقبة.
وبعد الحديث عن نموذج من الأدباء الروس في القرن التاسع عشر نرى كيف أن موقف الاستعراب الروسي الكلاسيكي من الشرق المسلم.
كراتشكوفسكي والشرق الإسلامي.
(1) نفس المصدر.
(2) ص 185 ـ 187 قصائد شرقية.
(3) ص183 قصائد شرقية.