فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 90

لقد عقد كراتشكوفسكي صداقات أبدية مع شخصيات مخطوطاته، مع العلماء والأدباء العرب الذين أبدعوا تلك الآثار الفكرية الحضارية (أولئك الأصدقاء الذين لا يستطيع أحد أن ينتزعهم منك، حتى الموت نفسه لا يملك سلطانًا عليهم، إن فصولًا بأكملها من التاريخ كانت مجهولة ثم انفتحت لك، وإن كثيرًا من الشخصيات قد خرجت من صفحاتها وكأنها حية وتجسدت أمامك فرأيتها رؤية العين) [1] .

إن المستعرب الروسي لا يقوم بإحياء الماضي ليجعله بديلًا للحاضر أو ليجعل الحاضر استمرارًا لهذا الماضي أو إطالة له. الماضي، الذي مارس العرب المسلمون فيه دورهم الحضاري في الإرث البشري، والذي يحكم المستشرقون الأوروبيين، بأن الشخصية العربية الإسلامية قد أبدعت فعلها التاريخي وانتهت، وماتت بانتهاء الفعل التاريخي الماضي للشخصية العربية الإسلامية، وبالتالي فإن هذه الشخصية غير قادرة على ممارسة الفعل الحضاري مرة أخرى، وبالتالي فإن إحياء المستشرق الغربي للماضي العربي الإسلامي هو إحياء من باب استمرار الماضي في الزمن الحالي، وأن العرب المسلمون مازالوا يعيشون في تلك الفترة من الفعل الحضاري الذي مضى عليه قرون. أقول أن إحياء المستعرب الروسي لشخصيات مخطوطاته ليست من باب الفعل الأوروبي الغربي ذاته: وإنما من باب ربط الماضي بالحاضر، إذ عاش في الماضي الزاهي شخصياته العلمية المبدعة، وفي الحاضر الآن تنبعث الشخصية العربية الإسلامية لتمارس دورها في التاريخ الحالي، فهي ليست شخصية محكومة فقط بالماضي، وإنما هي شخصية حية تقوم بفعلها التاريخي وضمن شروطها التاريخية، فيقدم كراتشكوفسكي شخصيتين عربيتين إسلاميتين، واحدة منذ قرون من الماضي البعيد، والأخرى عايشها وتعامل معها: يقول: كراتشكوفسكي:

(1) مع المخطوطات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت