فهرس الكتاب
والواقع أنها كما يبدو من شكلها تتحدث عن موضوعات نحوية، وتتناول أيضًا، نقطة جديرة، لها اهتمام كبير من الناحية الدينية، هي مسألة الصور الإعرابية المختلفة لأسماء الملائكة مصحوبة باقتباس من القرآن والشعر، وكما هي العادة تذكر أسماء مشهورة في الأدب مع تلميحات أدبية لا تحصى، إلا أن هذا ليس سوى غطاء الرسالة والشكل الخارجي لها أما في الحقيقة فإن الرسالة التي تبدو من الخارج رسالة نحوية: تقليدية، تخفي وراءها هجاء لاذعًا، وسخرية فكرية شديدة، من فهم بعض المسلمين لحقيقة الملائكة، وهذه الطريقة الساخرة لأبي العلاء هي نفسها طريقته في رسالته المشهورة"رسالة الغفران"حيث نجده بسخريته اللاذعة نفسها يتهكم بالوصف التقليدي القديم للحياة بعد الموت) [1] . وكراتشكوفسكي لا يقدم للقارئ فقط مسألة حرية التفكير والتعبير لدى العرب المسلمين، وعدم وجود تحريم أو منع للأفكار والكتب، بل ويتبع ذلك بصورة مقارنة لما مارسته الكنيسة من منع تجاه نفس الأفكار المطروحة تقريبًا لدى أبي العلاء. فيتحدث عن مخطوط وقع له ويعود إلى العام 272هـ (وقرأت بانتباه عظيم في ذلك الكتاب، حيث يتحاور الشيطان مع الموت، وأدركتُ لماذا لم تدرجه الكنيسة في قانونها، ففي هذه المخطوطة تنعكس. بوضوح قوي المشاعر الإنسانية بطريقة تخالف دستور الرهبان) [2] . إن كراتشكوفسكي يقدم للقارئ صورة أخرى من صور حرية التفكير والتعبير المتاحتين لدى العرب المسلمين فرسالة أبي العلاء المعري لم تحظ بالشهرة، إلا أنها بنفس الوقت قد تمت المحافظة عليها فلم تحرق، أو تمنع، أو يعاقب صاحبها، وإنما بقيت حية طيلة قرون عديدة.
(1) ص 41 نفس المصدر.
(2) ص 19 مع المخطوطات.