إن دراسة الشرق العربي ـ المسلم، جاءت بقرار كنسي، ونتيجة من نتائج الحروب الصليبية، التي كانت أيضًا بقرار ديني ولئن كانت دوافع الدراسات العربية الإسلامية، في حقيقتها دوافع استعمارية، فإن هذه الدوافع انبثقت من رحم الحروب الصليبية، التي كانت أول تجربة استعمارية خاضتها أوروبا خارج حدودها، حيث أسقط الغرب الأوروبي ضعفه على الشرق العربي الإسلامي، وحاول إيجاد حل لمشاكله المتفاقمة دينيًا واجتماعيًا واقتصاديًا في هذه الحروب التي اجتاحت جيوشها الشرق العربي المسلم، فبعد أن تفشى الفساد في الكنيسة والمجتمع، رأى البابا أربان الثاني (1088 ـ 1099م) ، أن من الضروري القيام بمغامرة مثيرة تضع العالم المسيحي بأجمعه أمام عمل وهدف مشترك، وكان خطابه في المجمع الكنسي في كليرمونت والذي دعاه لجلسة استثنائية في تشرين الثاني (1095م) ، تعبيرًا صريحًا عن الواقع المتصدع الذي يعيشه الغرب المسيحي، والرغبة الواضحة في وضع هذا الغرب أمام هدف عام واحد، فقد قال في خطابه أمام المجمع المذكور (انهضوا وأديروا أسلحتكم التي كنتم تستعملونها ضد إخوانكم، ووجهوها ضد أعدائكم، أعداء المسيحية، إنكم تظلمون اليتامى والأرامل، وأنتم تتورطون في القتل والاغتصاب، وتنهبون الشعب في الطرق العامة، وتقبلون الرشاوى لقتل إخوانكم المسيحيين، وتريقون دماءهم، دونما خوف أو وجل أوخجل، فأنتم كالطيور الجوارح آكلة الجيف، التي تنجذب لرائحة الجيف الإنسانية النتنة، ضحايا جشعكم، انهضوا إذن، ولا تقاتلوا إخوانكم المسيحيين بل قاتلوا أعداءكم الذين استولوا على مدينة القدس، حاربوا تحت راية المسيح، قائدكم الوحيد، افتدوا أنفسكم، أنتم المذنبون المقترفون أحط أنواع الآثام وهذه(( مشيئة الله ) ) [1] .
(1) ص 244 بابوات من الحي اليهودي.