فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 108

إن الذي دعاهم إلى الإفلات من قيود الوزن زاعمين ضيق الأوزان في الشعر العربي قد دعاهم مثلُه إلى الإفلات من قيود القافية ؛ ذلك بأن الشعر العربي إذا زاد المقول فيه على بيت واحد وجب أن يتحد مع الأصل في الوزن والقافية ، ولم يعهد عن العرب القدماء أنهم قالوا بيتين أوأكثر في معرض واحد إلا جاؤوا بذلك من بحر واحد ، وجعلوا أواخر الأبيات حرفا واحدا مع ما اشترطوا في هذه الأواخر من شروط مجموعها هو علم القافية .

حقا إن هذا إذا نظرنا إليه نظرة عامة نراه التزاما شديدا لم تشترطه لغة غير العربية ، فأكثر اللغات يكفي فيها شرط الوزن مع خلاف بين اللغات واللغة العربية فيما يراد بهذا الشرط أيضا .

ولو نظرنا إلى اللغة العربية في سابق عهدها وجدناها قد نهضت بجميع أغراض القول مع اشتراط الوزن والقافية ، وكان أكثر كلام العرب شعرا ، ولم يُعرف أن أحدا منهم شكا من ذلك ، أوتبرم به ، أوحاول الخروج عليه لافي جاهلية ولا إسلام حتى كان العصر العباسي .

فإذا كان بعض الشعراء في العصر العباسي قد تبرم بهذين القيدين فليس العيب عيب اللغة ، ولكنه عيب من يحاول مالا يستطيع ، وهو عيب من لايستكمل الوسائل ثم يريد الطفور (القفز ) إلى الغايات ، وما كان لنا أن نتابع هؤلاء الباغين على العربية الذين يريدون أن يتحيَّفوا ( يتنقَّصوا ) جمالها من

أطرافه ، فننادي معهم بطرح هذه القيود ؛ فإنها ليست كما ظنوا قيود منع وإرهاق ، ولكنها حجز زينة ، ومعاقد رشاقة ، ونظام فريد لايحسن إلا إذا روعي فيه التناسق والتناظر .

ومن أمثلة هذه المحاولة المزرية بقدر الشعر ما أنشده القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الإعجاز من قول بعضهم:

رُبَّ أخٍ كنتُ به مغتبطًا

أشدُّ كفيْ بعُرى صحبتهْ

تمسكا مني بالود ولا

أحسبه يزهد في ذي أملِ

ولكن هذا الناعق لم يجد من يتابعه ؛ لأن الأذن لم ترتح إلى صنيعه ، لكنهم قبلوا من ذلك أنواعا أخرى منها:

أولا: الشعر المزدوج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت