فهرس الكتاب
وقال: ( أتَأْمُرُونَ الناسَ بالبرِّ وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُم وَأنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أفَلاَ تَعقِلُونَ ) [1] .
7-ونخلص من هذا كله إلى أن الخطيب ليس آلة صماء تسْمِعٌ الناس كلمات بمجرد الضغط على زر التشغيل بها، ولكنه نموذج حي متحرك، يسمع الناس أقواله، ويرقبون أفعاله وأحواله، فإذا كان حسن السيرة، وسليم السريرة خرجت كلماته من القلب ووصلت إلى القلب، وإلا كانت كلماته - مهما كان فصيح اللسان، بليغ العبارات - كالحرث في الماء، أو كالنفخ في الرماد، سرعان ما يزول أثرها وينعدم نفعها.
ولا يقف الأمر عند حدِّ ضياع الفائدة من الكلام وفقط، بل يعاقب الإنسان بين يدي اللّه بأقسى ألوان العقوبة وأشدها، ففي الحديث.
"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار [2] ، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال. كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنها كم عن المنكر وآتيه" [3] .
ثانيا: الثقة بالنفس، والجرأة في مواجهة المشكلات
1-كلما قويت شخصية الخطيب أمكن أن يملك زمام من يتحدث إليهم، وأن تتحقق على يديه الفائدة لمستمعيه، طالما استشعر الجمهور أنه جدير باعتلاء المنبر، وأنه كفء لهذه المهمة.
2-ولن يرقى الخطيب إلى هنا الدرجة إلا إذا تمتع بقدر كبير من الثقة بالنفس، وتحلَّى بالطمأنينة ورباطة الجأش.
وتبدوا أهمية هذه الصفة للخطيب من خلال ملاحظة ما يلي:
(1) سورة البقرة - الآية (44)
(2) فتندلق أقتابه: قلى في النهاية: الأقتاب: الأمعاء، وأحدها (قتْب) بالكسر (ج 4- ص 11) مادة: قتب، والاندلاق خروج الشيء من سكانه
(3) أخرجه البخاري (ج 2- ص220) كتاب بدء الخلق - باب صفة النار وأنها مخلوقة، وأخرجه مسلم (ج 4- ص 2291) كتاب الزهد والرقائق- باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله