بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى عترته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغُرّ الميامين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمَّا بعد: فإن العربية كانت ومازالت وستبقى نبعًا ثَرًّا يرتشف منه الباحثون على مدى حقب طويلة من الزمن، هذه اللغة التي حباها اللهُ فوهبها مكرمةً لاتضاهيها أيُّ مكرمةٍ في الدُّنا، حيثُ توجها بالقرآن الكريم، فقال عزَّ من قائل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} . يوسف 2.
وقال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} . الشعراء 195. فالإبانة والعقلانية منهجان من مناهج التفكير الإسلامي الذي أَضْفىَ ظِلاَلَه على عربيتنا فأسْدَى إليها خيرًا كثيرًا، ولما كان لسان العرب أشرفَ الألسنة؛ إذ منه يُتَوصَّلُ إلى مقاصد الشرع في أحكامه، وأغراض قواعد العِلم وأعلامه، وكان مقسمًا إلى تقسيمه المعروف، من الأسماء والأفعال والحروف، وكانت الحروفُ أكْثَرَ دورًا، ومعاني معظمِها أشدَّ غَوْرًا، وتركيبُ أكثرِ الكلام عليها، ورجوعُه في فوائده إليها، فهي تربط الأسماءَ بالأفعال، والأسماءََ بالأسماء، فمنها مايجيء على حرف واحد (كالباء، والفاء، واللام، والواو) ، ومنها مايجيء على حرفين (كمن، وعن، وأم، وإنْ، وأَنْ، ولا، وما) ، ومنها مايجيء على ثلاثة أحرف (كعلى، وإلى، وثم، وألا، وبلى) ، ومنها مايجيء على أربعة أحرف فهو قليل (كحتى، ولولا، وهَلاَّ) ، وقد جاء على خمسة أحرف، وحروف المعاني علم نشأ في ركاب تفسير القرآن الكريم، حين كان علماء العربية والمفسرون، يفصلون المعاني المختلفة للحرف الواحد في النصوص القرآنية، ثم انبرى كوكبة من علمائنا للتأليف في هذه الحروف، فمنهم من أفرد لها بابًا في بعض تصانيفه كما فعل ابن قتيبة في كتابه (تلقين المتعلم من النحو) ، [1] والزركشي في (كتاب البرهان في علوم القرآن) ، [2] والسيوطي في (كتاب الاتقان) [3] ومنهم من أفرد مؤلفًا لحروف المعاني، كما فعل الهروي في (الأزهية في علم الحروف) ، [4] والمالقي في (رصف المباني في حروف المعاني) ، [5] والمرادي في (الجنى الداني في حروف المعاني) . [6]
(1) انظر الصفحات 65، 69، 87، 118، 119، 120، 131.
(2) انظر الصفحات 4، 221، 223، 351، 398.
(3) انظر الصفحات 1، 487، 491، 544، 557.
(4) انظر الأزهية: 45، 59، 75، 149.
(5) انظر رصف المباني: 104، 111، 257، 310.
(6) انظر الجنى الداني: 207، 215، 290، 322.