الشيخ محمد صالح المنجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. الحمد لله العزيز الجبار، القوي القهّار. خلق وابتلى، وأنعم واختبر. فهؤلاء عباده في قبضته، يفعل فيهم ما يشاء. يسخّر الأمر ويدبّره، ويرسل الرياح ويصرّفها، وينزل المطر ويفرّقه ويقسّمه كيف يشاء. وهو سبحانه وتعالى يبتلي عباده بما يشاء. يأتيهم على حين فجأة، وعلى حين غِرّة، فلا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورا. وهكذا فوجئ جنوب جزيرة العرب في المكان الذي أراد الله فيه أن يرسل الإعصار. فأنشأه في البحر، وضرب به جانب البر. اقتلع الأشجار، وجرف اللوحات، وخرب البيوت، واكتسح اليابسة، وأوقف الصادرات. حل رعبٌ في القلوب، وقُطِعَت وسائل الاتصال والطاقة الكهربائية. فيضاناتٌ تجتاح، ونداءات استغاثة والخسائر بالمليارات. والذي عُرِض أقل بكثيرٍ مما حدث. والمراسلون لا يستطيعون الوصول إلى الأماكن المختلفة في الأودية وما حل من انعدام حركة السير. لقد دخلت المياه على الناس في بيوتهم، وصعدوا إلى الأدوار العلوية، وهم يخشون أن تلاحقهم المياه لأنها ملأت الأدوار السفلية. توقفت حركة الطيران، وشلت وسائل النقل، وتقطعت بالناس السبل. وهكذا ابتلاءاتٌ ووَفَيَاتٌ وإصاباتٌ. من الذي أنشأه؟ الله عزَّ وجلَّ. من الذي سيّره؟ الله عزَّ وجلَّ. من الذي يعلم إلى أين يتجه ومن سيصيب؟ الله عزَّ وجلَّ. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر:49) . وهذا العالم المادي الذي لا يعرف الكثيرون فيه الآخرة إنما ينسبون كل شيءٍ إلى الإعصار، وكأنه الذي خلق نفسه، وأنه يفعل ما يشاء. ويقولون: ثأر الطبيعة، وغضبة الطبيعة. فمن الذي خلق الطبيعة؟ ومن الذي يرسل العواصف والأعاصير والزلازل والفيضانات. هذه العقيدة الفاسدة التي ترفض أن تذكر ربّها. هذه العقيدة الفاسدة التي يرفض أصحابها أن يذكروا ربّهم. فينسبون كل شيءٍ إلى الطبيعة وغضبتها، وينسون أن الله يغضب وأنه يغار وأنه يزلزل، وأنه سبحانه وتعالى خلق كل شيء. {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (الرعد:13) {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا} (الروم: من الآية48) . أين التصور العلمي والأقمار الصناعية والتقنيات العالية والبوارج وحاملات الطائرات؟ هل تستطيع أن تخلق إعصارًا أو تسيره كيف تشاء أو تمنعه من الوصول إلى مكان كذا؟ {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الاسراء: من الآية85) . إنه غرور البشر. ويريهم الله من الآيات ما يخبرهم بحقيقتهم وحجمهم وعلمهم. {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} (الأنعام: من الآية65) . يخلق من الآيات ما يشاء. {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (الاسراء: من الآية59) . ولكن من الذي يخاف؟ لا زالت العربدة على القنوات الفضائية وهي تنقل أخبار الأعاصير. وهذه الآيات المخيفة ويرجعون إلى ما هم فيه. بعد نقل الخبر يرجعون إلى المعاصي والمنكرات. فلا ترى اتعاظا. {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} (الاسراء: من الآية60) . وهكذا رأينا بأنفسنا كيف يحدث ما