الصفحة 2 من 6

يخيف. والإعصار من جهة، واستمرار الفساد من الجهة الأخرى. عبرٌ عظيمة ولكن من يعتبر؟ وأولاء البشر بقوتهم العسكرية الكبيرة الضخمة ماذا فعلوا أمام إعصار؟ {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} (المدثر: من الآية31) . والله تعالى له جنودٌ ومنها الريح {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} (الأحزاب: من الآية9) . أي من الملائكة. وقال تعالى عن قوم عادٍ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} (فصلت: من الآية16) . باردة. {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى} (فصلت: من الآية16) . {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} (القمر:19) . يغير الجو سبحانه كيف يشاء. وهو الذي يتحكم في العالم العلوي والسفلي، وفي الأحوال الجوية. ويقدر من التصحّر وذوبان الجليد والاحتباس الحراري ما يشاء. وحسب البشر أن يفهموا ماذا يحدث. لو استطاعوا كيفية حدوث هذه الأشياء لكان ذلك عندهم شيئًا كبيرا. ولكن أين الذي يصرّفها؟ وأين الذين يتشدقون بصناعة الأمطار والاستمطار الصناعي. فليأتوا بما يوقف هذا الإعصار إن كانوا صادقين. وهذه الدول الكبرى لم تقدر على وقف الأعاصير التي تهب عليها. إنه غضب الله وا بتلاؤه. إنه يصيب بالبأساء والضراء. {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (الزمر:62) . {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (الاسراء:16) . {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} (الأعراف:183) .

عباد الله!

هل يكون الحدث وتكون المصيبة في وقتٍ واحد انتقام وابتلاء؟ الجواب نعم. فإنها انتقامٌ من العصاة وابتلاءٌ لأهل الإيمان. في الحدث الواحد الذي يقدرّه ربنا يبتلي أهل الإيمان وينتقم من أهل العصيان. فيكفّر عن أولئك سيئاتهم، ويأجرهم على صبرهم، ويرفعهم درجات بما أصابهم من هذا الابتلاء وما أذهب به من النفوس والأموال، وما حصل به من الخوف. وهذا من الابتلاء. وكذلك ينتقم الله به من أهل المعصية والكفر والبدعة، ويسلط ما يشاء عليهم سبحانه. ولذلك إن المسلم يسأل الله الرحمة والعافية لإخوانه المسلمين مهما بعدوا عنه، ويحمد ربه أن جنّبه هذا الابتلاء وعافاه من هذا الإعصار، ولا يكون هذا إلا في أصحاب القلوب الحية. فقد جاءتهم مصيبةٌ قريبةٌ من دارهم. لقد جاءتنا مصيبةٌ قريبةٌ من دورنا. فماذا فعلنا لشكر ربنا إذا عافانا؟ {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الانبياء: من الآية35) . إن هذه المحن والمصائب تعرف الناس عزَّ الربوبية وقهرها، وذل العبودية وكسرها، وأن الخلقّ كلَّهم بيده. عبيده وملكه. راجعون إلى حكمه وتدبيره. لا مفر لهم منه، ولا مهرب ولا محيد ولا محيص. فالمؤمنون يؤمنون بقدر الله وأفعاله، وأنها جارية على الحكمة والمشيئة. وهو سبحانه وتعالى الحكيم العليم الخبير، أعلم بمن خلق، وأعلم بما يصلح العباد. فقد يصلحهم بابتلاءٍ يبتليهم به، ويقربهم منه فتلهج ألسنتهم بالدعاء ويخافون بعد أن أمن الكثيرون مكره، والتهوا بالدنيا والمعاصي عن ذكره، فأعادهم إليه بما ابتلاهم به، فلجأوا إلى الله.

وهكذا يعالج الله نفوس العباد بما يقدّره عليهم. ويخبرهم من خلال هذا الابتلاء بأن الدنيا ليست دار مقر، وأن فيها من المصائب والآلام والغموم والأحزان والفقر والشدة والضنك والمشقة والأذى ما يميّزها عن دار كرامته، ويجعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت