الصفحة 3 من 6

الفرق بينها وبين جنته عظيمًا في أعين الناس. فالدنيا ليس فيها أمانٌ مطلق. وأما الجنة فدار السلام. فيها الأمن المطلق. ثم التنبيه والتحذير للعباد لمن أصابهم ولمن جاورهم. فيقول: هذه قدرتي، وهذا ابتلائي. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا} (الأنعام: 42 - 43) . ولذلك فإن الواجب التضرع إلى الله، واللجوء إليه. دعاءٌ بخشوع وتذلّل ولجوءٌ تامٌ وتوكل. لكن قسوة القلب عند بعض الناس تمنع من الاتعاظ. {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:43) . فلم يبق إلا أن يؤخذوا. وكذلك فإن تعبد الله بانتظار الفرج منه عبادة عظيمة. والمسلم يرجوه و ينتظر فرجه. {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران: من الآية179) . وكذلك فإن في الموحدين المسلمين من الرحمة بإخوانهم، ومد يد العون لهم، والدعاء لهم، والوقوف بجانبهم، ما يحملهم على مؤاخاتهم وإعانتهم كما قال عليه الصلاة والسلام: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وعندما يحدث مثل هذا الإعصار الذي يرتج به البحر فإن من الأحكام المتعلقة بذلك عدم ركوب البحر عند ارتجاجه. وقد جاء في الحديث الحسن: من ركب البحر عند ارتجاجه فمات فقد برئت منه الذمة. قال الحافظ بن حجر العسقلاني: إسناده حسن. وقال في شرحه: فيه تقييد المنع بالارتجاج. ومفهومه الجواز -أي جواز ركوب البحر- عند عدمه -أي عدم الارتجاج- وهو المشهور من أقوال العلماء. فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء. وأول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في خلافة عثمان. وكان للمسلمين في البحر غزواتٌ عظيمة. وكذلك فإنه إذا ارتج جانب البحر، ورأى الناس من علو الأمواج ما فيه التذكرة العظيمة بقدرة الله فإنهم يستغفرون. {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (لأنفال:33) . إن هذه الآية وهي قول الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} تدل على أمانٍ أول، وهو أن وجود النبي عليه الصلاة والسلام في قومٍ يمنع عنهم العذاب الاستئصالي التام الكلي. والأمان الثاني: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال أبو موسى رضي الله عنه: كان لنا أمانان، ذهب أحدهما: -أي بموت النبي صلى الله عليه وسلم-. وبقي الآخر -أي بالاستغفار-. فمن أصرّ على الذنب فإن العذاب غير ممتنع عنه. وأما من تاب وأناب وأقلع واستغفر فإن الله تعالى ينجيه. اللهم إنا نسألك أن ترفع البلاء عن إخواننا المصابين. اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم، وارزقهم الصبر على ما أصابهم. الله عوّضهم عن خسارتهم، واخلف لهم بخيرٍ يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك لهم العون والفرج والسلامة يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين. أشهد ألاّ إله إلا هو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين، صلى الله علي وعلى آله وصحبه وذريته وخلفائه وأزواجه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت