فسابُّ الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما. إما سبُّه للهِ، أو الشركُ به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وأن اعتقد أن الله وحده الذي فعل ذلك وهو يسبُّ مَن فعله، فقد سب الله.
ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يقولنَّ أَحدكُم: تَعِسَ الشيطانُ فإنهُ يتعاظم حتى يكون مِثلَ البيتِ، فيقول: بقوتي صرعتُهُ، ولكن ليقلْ: بسم اللهِ، فإنهُ يتصاغرُ حتى يكونَ مِثلَ الذبابِ".
ومثل هذا قولُ القائل: أخزى اللهُ الشيطان، وقبح اللهُ الشيطان، فإن ذلك كُلَّهُ يُفرِحُه ويقول: علم ابن آدم أني قد نِلته بقوتي، وذلك ممَّا يُعينه على إغوائه، ولا يُفيده شيئًا، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم من مسَّه شيء من الشيطان أن يذكر الله تعالى، ويذكر اسمه، ويستعيذ بالله منه، فإن ذلك أنفعُ له، وأغيظُ للشيطان". اهـ. . [1] "
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:"قال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك لشبهة بأهل الكفر في الإطلاق، وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: مطرنا بكذا، وقال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا أو فعله لما قبل الموت، وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات وأمد العالم ولا شيء عندهم ولا صانع سواه، وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث"أنا الدهر أقلب ليله ونهاره"فكيف يقلب الشيء نفسه؟ تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا". أ هـ. [2]
وسُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: هل يقال هذا"زمان أقشر"أو"الزمن غدار"أو"يا خيبة الزمن الذي رأيتك فيه".
(1) زاد المعاد.
(2) فتح الباري (12/ 205)