وقلما يبكي على الجنازة إلا أهلها وذلك لفراقها، لا لنفس الموت، كبكاء الطفل والمرأة الذين لا يعقلان ولا يعلمان، ولو كانوا يعلمون لكان بكاؤهم على أنفسهم لا على ميتهم لأنه مات وهم ينتظرون الموت.
بَكَى لأنْ مَاتَ مَيْتٌ مِن عَشْيِرَتِهِ
وباتَ فَوقَ حَشَاهُ للأَسَىَ لَهَبٌ
وَلَوْ رَآى بِصَحيْحِ العَقْلِ حِيْنَ رَآى
لَمَا رَآى الدَّهْرَ مَيْتًا أوْ أحَسَّ بِهِ
ومَنْ رَأى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شارِعَةً
وطَلْعَهُ الموتِ إن تَطْلُعْ عَلى أحَدٍ ... وقَالَ واحَرَبَا وصَاحَ يَا هَرَبَا
إذَا أرَادَ خُبُوًا فَارَ والّتَهَبَا
وكَشَفَ اللهُ عَنْهُ لِلْهَوَى حُجُبَا
إلا بَكَىَ نَفْسَهُ المِسْكِيْنُ وانْتَحَبَا
أنَّى يَرَاهَا بجنْبٍ نَاءَ أو قَرُبَا
أرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَوْلِهَا عَجَبَا
اللهم اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجميعن.
(فصل)
وقال رحمه الله تعالى واعلم أن الميت كالحي فيما يهدى إليه بل الميت أكثر وأكثر لأن الحي قد يستقل ما يهدى إليه ويستحقر ما يتحف به.
والميت لا يستحقر شيئًا من ذلك لأنه يعلم قيمته بعد ما خرج من الدنيا وطويت صحيفته وقد كان يقدر عليه أيام حياته ولكن ضيعه.
ومما يدل على وصول القرب إلى الميت قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"الحديث رواه مسلم اهـ.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره وولدًا صالحًا تركه."