إنَّ الذينَ بَنَوا مَشيْدًا وانْثنوا
سُلُبوا النَّضَارَةَ والنَّعِيْمَ فاصْبَحُوا
تَركُوا دِيارَهُمُ عَلَى أعْدَاهِم
خَلَطَ الحِمَامُ قَويَّهمُ بِضَعْيفِهم
والخَوْفُ يُعْجِلُنا عَلَى آثارِهِم
وتَعَاقُبُ المَلَوَيْن فِينَا ناثِرٌ ... وبِهَا النُفوسُ فَريْسَةُ الأقْدارِ
نَفَسَان مُرْتَشِفَانِ لِلأعْمَارِ
واليُسْرُ لِلإنْسَانِ كَالإِعْسَارِ
والصَّفْوُ فِيه مُخَلَّفُ الأَكْداَرِ
لِفَنَائِنَا وَطَرًا مِن الأوْطَارِ
كَالنَّوم بَيْنَ الفَجْرِ والأسْحَارِ
أَخْطَارُهُ تَعْلُو عَلَى الأخْطَارِ
ونَلَوْذُ مِن حَرْبٍ إلى اسْتِشْعَارِ
يَسْعَونَ سَعْيَ الفاتِك الجَبَّارِ
مُتَوَسِّدِيْنَ وَسَائِدَ الأحْجَارِ
وتوسَّدُوا مَدَرًا بِغَيرِ دِثَارِ
وغَنَّيهمُ سَاوَى بذي الأقْتَارِ
لابُدَّ مِن صُبْحٍ المُجِدِّ السَّارِي
بأكَرِّ مَا نَظَمَا مِن الأعْمارِ
ثم اعلم يا أخي أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما من الله به على عباده وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلى فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع فالعاقل يجعلها مطية للآخرة فينفقها في سبيل الله في المشارع الدينية من طباعة مصاحف وكتب دينية وعمارة مساجد وبذل للفقراء الذين لا موارد لهم ونفقات على طلبة العلم الشرعي.
وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه سمع رجلًا يسب الدنيا فقال له: إنها لدار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها.
مسجد أحباب الله، ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه.
اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها، وشوقت بسرورها إلى أهل السرور.