الصفحة 135 من 169

لا تشاور مشغولًا وإن كان فطنًا حازمًا لاحتياجه إلى التفكير، ولا جائعًا وإن كان فهمًا لو ذعيًا، ولا محتبس البول أو الريح أو الغائط، ولا خائفًا وإن كان ناصحًا، ولا مهمومًا وإن كان فطنًا لأن هؤلاء أفكارهم عليها تشويش.

لا تجالس إلا العقلاء العلماء فإن العقول تلقح العقول وانظر إلى من نشؤا عند النساء والسفهاء والعوام، وقارن بينهم وبين من نشؤا عند العلماء وطلبة العلم، تجد بينهم بون كما بين الحركة والسكون.

قال بعض العلماء مجالسة العقلاء لا تخلو من أحد معنيين إما تذكر الحالة التي يحتاج العاقل إلى الانتباه لها، أو الإفادة بالشيء الخطير الذي يحتاج الإنسان إلى معرفته.

وسئل آخر: أي الرجال أفضل؟ فقال: من إذا حاورته وجدته حكيمًا، وإذا غضب كان حليمًا، وإذا ظفر كان كريمًا، وإذا استمنح منح جسيمًا، وإذا وعد وفى، وإن كان الوعد عظيمًا، وإذا شكي إليه وجد رحيمًا.

موعظة

إخواني إنكم في دار هي محل العبر والآفات، وأنتم على سفر والطرق كثيرة المخافات، فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتداركوا هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات، وتفكروا فيما أراكم من الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات، قبل أن ينادي بكم مناد الشتات، قبل أن يفاجئكم هادم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات قبل أن تنقطع قلوبكم عند فراقكم حسرات، قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تزعجوا من هذه الحياة قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى الدنيا وهيهات.

شعرًا:

مَا دَارُ دُنْيًا لِلْمُقِيمِ بِدَارِ

مَا بَيْنَ لَيلٍ عاكفٍ ونَهارِهِ

طُولُ الحياة إذا مَضَى كَقَصِيْرهَا

والعَيشُ يَعْقِبُ بالمرارَةِ حُلْْوَهُ

وكأنما تَقْضِيْ بُنِيَّاتُ الرَّدَى

والمَرْءُ كَالطَّيْفِ المُطْيفِ وعُمْرُهُ

خَطْبٌ تَضَاءَلَتَ الخَطُوُبُ لِهَوْلِهِ

نُلْقِى الصَّوارِمَ والرمَاحَ لِهَوْلِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت