فقال له عمر يا ابن أخي وما يعجبك مني فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث ليالٍ وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج الصديد والدود من المناخر والفم وانتفخ البطن فعلى الصدر وخرج الصلب عن الدبر لرأيت إذ ذاك مني أعجب مما رأيت الآن.
وأعلم رحمنا الله وإياك وجميع المسلمين أنه من تصور هذا وأقام هذا الخيال نصب عينيه وتفكر في الميت وما يؤول ويرجع إليه.
ثم نظر فيما يقدم عليه وعلم أن جسمه الناعم الغض وبدنه اللين المتعافي سيطرح ويذب في حفرة ضيقة الجوانب تقطع فيها أوصاله وتغير فيها أحواله ثم يتبين له بعد ذلك مآله ويطلب بعد ذلك بكل ما عمله وقاله لم يشتغل بميت باله ولم يبك إلا على نفسه وأنشدوا في ذلك:
لِمَنْ جَدَثٌ أبْصَرْتُه فَشَجَاني
سَفَكْتُ عَليهِ أدْمُعِي فَسَقَيْتُهُ
وقَفْتُ بِهِ حَيْرَانَ وقْفَةَ هَائِمٍ
وما بِيَ مَنْ في القَبْرِ لَكْنِ رَأيْتُهُ ... وأرْسَل في شَجْوِ الهُمُومِ عِنَاني
كَمَا هُوَ مِنْ كَأْسِ الشُجُوْنِ سَقَانِي
أُعَالِجُ قَلْبًا دَائِمَ الخَفَقَان
على حَالَةٍ فِيهَا وشِيْكَ أرَانِي
آخر:
لِمَنِ الأقْبُرُ في تِلْكَ الرُّبَى
لِمَنِ الأوْجُهُ فيها كَسَفَتْ
لِمَنِ الأجْسَامُ فيها بَلِيَتْ
ومَنِ الفُرْسَانُ فيها قَدْ نَسُوا
ورَمَوْا إذْ هَتَفَ الموتُ بِهم
ومَن الخُرَّدُ فيها شَدَّمَا
نَظَرَ الموتُ إليها فَغَدَتْ
لِمَنِ الأقْبُرُ في تِلكَ الرُّبَى
يَا جُفُوْنًا أرْسَلَتْ أدْمُعَهَا
صَاحِ يَا صَاحِ ونيْرَانُ الجَوى
لا تَظَنَنَّ بُكَائِي لهُمُوْا
إنما أبْكِيْ لِنْفِسي لا لَهْمْ
هَامِدُ الجَمْرةِ مَوْهُونُ القُوى
رَبِّ يا ربِّ ويا رَبَّ الوَرَى
كَفَر الإحْسَانَ قدْمًا وبَغَى
ما تَرَى في أمْرِهِ يَا منْ تَرى
لَيْسَ إلا عَفْوُكَ المَرْجُوُ أوْ
وعِيَاذًا بكَ يَا مَوْلايَ أنْ
وَإذَا أَسْلَمْتَه رَبِّ فَمَنْ ... مَلأَتْ صَدْرِيَ شَجْوًا وأَسَى