الصفحة 51 من 169

وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان، ولا يطالب صاحبه ببرهان، كما أن قصر الأمل يبعث على الجد والاجتهاد في العمل، ويحمل على المبادرة، وحيث على المسابقة قال:

وسأضرب لك في ذلك مثلًا، مثل ملك من الملوك كتب إلى رجل يقول له افعل كذا وكذا، وانظر في كذا وكذا، وأصلح كذا وكذا، وانتظر رسول فلانًا فإني سأبعثه إليك ليأتيني بك.

وإياك ثم إياك أن يأتيك إلا وقد فرغت من أشغالك وتخلصت من أعمالك، ونظرت في زادك، وأخذت ما تحتاج إليه في سفرك.

وإلا أحللت بك عقابي وأنزلت عليك سخطي، وأمرته يأتني بك مغلولةً يداك مقيدةً رجلاك، مشمتًا بك أعداك، مسحوبًا على وجهك إلى دار خزي وهوان وما أعددته لمن عصاني.

وإن وجدك قد فرغت من أعمالك وقضيت جميع أشغالك أتى بك مكرمًا مرفعًا مرفهًا إلى دار رضواني وكرامتي وما أعددته لمن امتثل أمري وعمل بطاعتي.

واحذر أن يخدعك فلان أو فلانة عن امتثال أمري والاشتغال بعملي، وكتب إلى رجل آخر بمثل ذلك الكتاب.

فأما الرجل الأول فقال هذا كتاب الملك يأمرني فيه بكذا وكذا، وذكر لي أن رسوله يأتيني ليحملني إليه وأنا لا أمضي إليه حتى يأتيني رسوله، ولعل رسوله لا يأتيني إلا إلى خمسين سنة أو أكثر فأنا على مهلة.

وسأنظر فيما أمرني به، ولم يقع الكتاب منه بذلك الموقع، ولم ينزله من نفسه بتلك المنزلة، وقال الله لقد أتى كتابه إلى خلق كثير بمثل ما أتاني، ولم يأتهم رسوله إلا بعد السنين الكثيرة، والمدد الطويلة، وأنا واحد منهم.

ولعل رسوله يتأخر عني كما تأخر عنهم، وجعل الغالب على ظنه أن الرسول لا يأتيه إلا إلى خمسين سنة كما ظن، أو أكثر أو إلى المدة التي جعل لنفسه بزعمه.

ثم أقبل على اشغال نفسه مما لا يحتاج إليه ومما كان غنيًا عنه وترك أوامر الملك والشغل الذي كلفه النظر فيها والاشتغال به.

فكلما دخلت عليه سنة قال أنا مشغول في هذه السنة وسأنظر في السنة المقبلة والمسافة أمامي طويلة والمهد بعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت