الصفحة 58 من 169

ومَنْ رآى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شَارِعَهً

وَطَلْعَهُ الموتِ إِنْ تَطْلَعْ عَلى أَحَدٍ ... وقال وَاحَرَبَا وصَاحَ يَا هَرَبَا

إذَا أرَادَ خُبُوًا فارَ وَالتَهَبَا

وكَشَّفَ اللهُ عنه لِلْهَوى حُجُبَا

إلا بَكَى نَفْسهُ المِسْكِيْنُ وانْتَحَبَا

أنَّى يَراها بجَنْب ناءَ أوْ قَرُبَا

أرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَوْلِهَا عَجَبَا

وقال أحد العلماء رحمه الله في موعظة وعظها ألا أن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، شابها يهرم، وحيها يموت، ولا يغركم إقبالها مع معرفتكم بصرعة إدبارها والمغرور من اغتر بها.

أين سكانها الذين بنوا مرابعها وشققوا أنهارها وغرسوا أشجارها وأقاموا فيها أياما يسيرة وغرتهم بصحبتهم وغروا بنشاطهم فركبوا المعاصي إنهم كانوا والله بالدنيا مغبوطين بالمال على كثرة المنع عليه محسودين على جمعه.

ما صنع التراب بأبدانهم والرمل بأجسامهم والديدان بأوصالهم ولحومهم وعظامهم إذا مررت فنادهم إن كنت مناديا وادعهم إن كنت لابد داعيًا.

ومر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم وسل غنيهم ما بقى من غناه وسل فقيرهم ما بقى من فقره واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون وسلهم عن الأعضاء الرقيقة.

والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنعت بها الديدان.

محت الألوان، وأكلت اللحمان، وغفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة.

فكم من ناعم وناعمة أصبحت وجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم متمزقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه صديدا، ودبت دواب الأرض في أجسامهم، وتفرقت أعضاؤهم.

ثم لم يلبثوا إلا يسيرًا حتى عادت العظام رميمًا قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضائق قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت