يُرْصَفُ بالرَّغْمِ فِيْهِ رَصْفَا
ولِلْهَوامِّ العِطَاشِ رَشْفَا
بكل مَا قَدْ هَفَا وأَهْفَا
(فصل)
وأما مشاهدة صورة ملك الموت وما يدخل في القلب منه ومن الروع والفزع فهو أمر لا يعبر عنه لعظم هوله وفضاعة رؤيته ولا يعلم حقيقة ذالك إلا الله جل جلاله والذي يشاهده ويطلع عليه وإنما هي أمثال تضرب وحكايات تحكى.
ويروى أن إبراهيم الخليل عليه السلام قال لملك الموت هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض بها روح الفاجر فقال لا تطيق ذلك قال بلى قال فأعرض عني فأعرض عنه ثم التفت.
فإذا هو برجل أسود الثياب قائم الشعر منتن الريح يخرج من فيه ومناخره لهب النار والدخان قال فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى.
فقال يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر عند موته إلا رؤية وجهه لكاذ ذلك حسبه"أي يكفي".
ونظر بعضهم إلى أناس يترحمون على ميت فقال لو تترحمون على أنفسكم لكان خيرًا لكم، إن ميتكم قد مر به أهوال ثلاثة، وجه ملك الموت وقد رآه، ومرارة الموت وقد ذاقها، وخوف الخاتمة وقد مضى.
وقال رحمه الله تعالى:
يروى عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال إذا قبض ملك الموت روح العبد قام على عتبة بابه ولأهل البيت ضجة، فمنهم الضاربة وجهها، ومنهم الناشرة شعرها، ومنهم الداعية يا ويلها.
فيقول ملك الموت فيم هذا الجزع، فوالله ما انتقصت لأحد منكم عمرا، ولا أخذت لأحد منكم رزقًا ولا ظلمت أحدًا منكم حقًا.
فإن كانت شكايتكم وتسخطكم علي فإني والله مأمور، وإن كانت على ميتكم فإنه مقهور، وإن كانت من ربكم فأنتم به كفرة، ولي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدًا.
قال لو سمعوا كلامه ورأوا مكانه لشغلوا عن ميتهم وبكوا على أنفسهم.
شعرًا:
بَكَى لأَنْ ماتَ مَيْتٌ من عَشيْرَتِهِ
وباتَ فْوقَ حَشاهُ لِلأسَىَ لَهَبٌ
ولو رَآى بِصَحِيْحِ العَقْلِ حَيْنَ رَآى
لَمَا رَآى الدَّهْرَ مَيْتًا أَوْ أحَسَّ بِهِ