الصفحة 56 من 169

وقال رحمه الله عليه بعد كلام له فإذا أضيف إلى الفكرة في الموت الفكرة فيما بعد الموت وفي حال الميت ومآله وما يجازى به من أقوال وأفعال وفي أي مربح ومتجر فاته وأي بضاعة فرط وأي جزء من عمره ضيعه هنالك تطيش الألباب وتذهل العقول وتخرس الألسن وتنبذ الدنيا بالعراء وتطرح بجميع ما فيها بالوراء ولا يلتفت لها.

ومن فوائد ذكر الموت أنه يورث الاستشعار بالانزعاج عن هذه الدار الفانية المملؤة بالاكدار والانكاد والهموم والغموم.

ويحثك ذكر الموت على التوجه في كل لحظة إلى الآخرة بالاستعداد لها ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة ونعمة ومحنة.

فإن كان في حال ضيقة ومحنة فذكر الموت سهل عليه بعض ما هو فيه إذ لا مصيبة إلا والموت أعظم منها وهو ذائقه ولابد.

قال الله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } وإن كان في حال سعة ونعمة.

فذكر الموت يمنعه من الاغترار بالدنيا والركون إليها لتحقق عدم دوامها وتحقق ذهابها عنه وانصرامها.

قال الله جل وعلا وتقدس: { فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } .

يا نَائِما وَالمِنُونُ تَقْضَىَ

جَاءَكَ أَمْرٌ وَأَيُّ أمْرٍ

هَلْ بَعْدَ هَذَا المَشِيْبِ شيءٌ

فلَيْسَ هَذَا الأمْرُ سَهْلًا

مِن بَعْدِ مَا المَرْءُ في بَرَاحٍ

سَاكِنُ نَفْسٍ قَرْيرُ عَيْنٍ

إذْ عَصَفَتْ في دَارِهِ رِيْحٌ

فباتَ في أَهْلِه حَصِيْدًا

فَعَادَ ذَاكَ النَّعِيْمُ بُؤْسَا

وسِيْقَ سَوْقًا إلى ضَرِيْحٍ

وبَاتَ لِلدَّوْدِ فيه طَعْمًا

ولَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ رَهِيْنًا ... وَغَالبًا والحِمَامُ أوْفَى

طَمَّ على غَيْرِهِ وعَفَّى

غَيْرَ تُرابٍ عَلَيْكَ يُحْثَى

ولا بشَيءٍ عَلَيْكَ يَخْفَىَ

يَهْتَزُّ تِيْهًا بِهِ وَظَرْفَا

يَرْشُفُ ثَغْرَ النَّعِيْم رَشْفَا

تَقْصِفُ كُلَّ الظُهُوْر قَصْفَا

قَدْ جَعَفَتْهُ المَنُونُ جَعْفَا

وصَارَ ذَاكَ السُكُوْنُ رَجْفَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت