اللهم اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
اعلم رحمنا الله وإياك وجميع المسلمين أن في القبر وظلمته، وضيقه ووحشته وطرح الميت فيه غير ممهد ولا موسد قد باشر التراب وواجه البلى وترك الدنيا وزينتها للورى.
ونبذ منها ما كان في يديه في العراء مع حبيب تركه وقريب أسلمه، ونصير أفرده، وترك كل ما كان عهده إن ذلك لمما يفطم النفوس عن الشهوات، وإن كانت صعبة الفطام، ويقطعها عن اللذات، وإن كان قطعها بعيد المرام، إذا بحث عن الحقيقة ونظر بعين البصيرة وسمع النداء من قريب فبنيما الإنسان في رخاء العيش مسرورًا فيما بين يديه غافلًا عن يوم صرعته قد فتح للهوى بابه، وأرسل عليه حجابه، ولم يبال بمن لامه في ذلك أو عابه، إذ هجمت عليه المنية، فهتكت أستاره، وكسفت أنواره، وشتت شمله وطمست أعلامه وآثاره.
فأخرجته من ذلك القصر المشيد، والمنزل المنجد والمتاع المزخرف المنضد، إلى حفرة من الأرض ظلماء ضيقة الجوانب مملوة من الرعب والفزع والخوف والقلق والذعر.
فحذار حذار وبدار بدار قبل أن تصرع هذا المصرع فيفت في عضدك ويسقط في يدك وترمى بك عن أهلك وولدك في مهواة تزدحم فيها الأهوال، وتنقطع فيها الآمال.
قد جمعت فيها جمعا ورصعت فيها رصعًا وتركت فيه للهوام والديدان طعمًا، ومرعى.
ولعلك ممن يرغب في تبديل المنازل وإن كانت حسانًا، ولا ترى لربك عز وجل فيها تفضلًا وامتنانًا.
فانظر الآن كم بين المنزلتين وكم قدر ما بين الوحشتين إلا أن يدركك الله برحمته فتتسع من القبر أقطاره وتمتد فيه أنواره وأنشدوا في هذا المعنى: