وربما قتل أباه أو أمه استعجالًا للميراث، وربما صار عارًا على والديه ونقمةً وخزيًا كما ترى وتسمع ونعوذ بالله من أمر لا يستخار الله فيه.
وتجد كثيرًا ممن ضاعت أعمارهم فرطًا إذا ذكر بالتوبة والرجوع إلى الله أو خوف بالعقوبة أو بالموت، قال دعنا من هذه المقبضات، وحدثنا بالمبشرات والمفرحات، هذا عصر الشباب واللذات.
وإذا كبرنا تبنا إلى الله، والأمر واسع، ولا يرى المسكين أنه قد شيع جنائز إلى الآخر أصغر منه في السن، وأحدث منه بالرحم عهدًا، قد غرته الشبيبة وخدعته الصحة، وتمكنت منه الغرة بما عنده من الثروة والقوة.
ولا يتأمل ويفكر ويعتبر فيرى أن الموت في الشباب أكثر، وحادثة فيهم أسرع وأن الذي يموت في الهرم قليل وكثير من الناس يموت بغتة في السكتة القلبية وأن الزمان كله وقت للموت، ولا يختص من الأرض بمكان دون مكان، ولا من الزمان بوقت دون وقت، ولا يزل هذا المغرور منكبًا على شهواته مداومًا على لذته غافلًا من يوم صرعته، حتى يؤخذ بما تأخر وما تقدم، ويلقى صريعًا لليدين وللفم إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.
وفي هذا وأمثاله قال الشاعر:
نَالَ أُمُورًا خابَ مَن نالَهَا
وَوَاقَعَ الذَّنْبَ فَما هَالَهُ
وقال هذه سَنَواتُ الصِّبَا
ومَرَّ يَسْتَهْتِرُ في عُصْبَةٍ
أوْلَى لَهُ ثَمَّتَ أوْلى لَهُ ... ثُم سَعَى يَطْلُبُ أمْثالَهَا
والباذِخَاتُ الشمُ قد هَالَهَا
فاسْحَبْ على رِسْلِكَ أذْيَالَهَا
مِن شَكْلِهِ تَصْحَبُ أشْكَالَهَا
وتِلْكُمُ العُصْبَةُ أوْلى لَهَا
ثم اعلم رحمنا الله وإياك والمسلمين أن حب الدنيا في القلب راسخ وإخراجها منه صعب جدًا إلا لمن عصمه الله جل وعز، والنفس إلى الدنيا أميل وهي بها أشغف، وفي طلبها أهلك وعن طريق الرشد أبعد وأصرف، واسمع إلى ما قيل في الدنيا:
هِيَ المُشْتَهى والمُنْتَهَى ومَعَ السُهَى
وَلِمْ تُلْفِنَا إلا وفِيْنَا تَحَاسُدٌ ... أمَانيٌ منها دُوْنَهُنَّ العَظَائِمُ