ختاما: سيأتيك في الأوراق القادمة فصل جميل من فصول رسالة (الأجوبة الفاخرة) للإمام القرافي -رحمه الله- رد فيه على شبهات النصارى في عصره وادعائهم الإيمان وأن القرآن قد أثنى على دينهم وحكم لهم بالنجاة يوم القيامة.
وهي شبهات لم يزل النصارى يرددونها في كل زمان ويلتقطها منهم مرضى القلوب من المسلمين ليروجوها بين أبناء الأمة تحت مسمى (التسامح) و (الحرية الفكرية) و (السلام) .
وقد أحببت أن أنشرها رجاء انتفاع المسلمين بها لا سيما وقد صادفت وقتا مناسبا تكاثر فيه المدافعون عن دين النصارى لتكون خير راد عليهم وخير مجل للحقيقة أمام عامة المسلمين.
وستأتيك هذه الشبهات متتالية، كل شبهة تعقبها الإجابة عنها:-
1 -فمنها: أنهم قالوا: إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- لم يبعث إلينا، فلا يجب علينا اتباعه، وإنما قلنا: إنه لم يرسل إلينا لقوله تعالى في الكتاب العزيز: {إنا أنزلنه قرءانا عربيا} . ولقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} . ولقوله تعالى: {بعث في الأميًن رسولا منهم} . ولقوله تعالى: {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} . ولقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} . ولا يلزمنا إلا من جاءنا بلساننا، وأتانا بالتوراة والإنجيل بلغاتنا.
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن الحكمة في أن الله تعالى إنما يبعث رسله بألسنة قومهم، ليكون ذلك أبلغ في الفهم عنه ومنه، وهو أيضا يكون أقرب لفهمه عنهم جميع مقاصدهم في الموافقة والمخالفة وإزاحة الأعذار والعلل، والأجوبة عن الشبهات المعارضة، وإيضاح البراهين القاطعة، فإن مقصود الرسالة في أول وهلة إنما هو البيان والإرشاد وهو مع اتحاد اللغة أقرب، فإذا تقررت نبوة النبي في قومه قامت الحجة على غيرهم، إذا سلموا ووافقوا، فغيرهم أولى أن يسلم ويوافق، فهذه هي الحكمة في إرسال الرسول بلسان قومه، ومن قومه.
وفرق: بين قول الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} وبين قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا لقومه} فالقول الثاني هو المفيد لاختصاص الرسالة بهم، لا الأول. بل لا فرق بين قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا لقومه} .وبين قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا مكلفا بهداية قومه} فكما أن الثاني لا إشعار له بأنه لم يكلف بهداية غيرهم، فكذلك الأول، فمن لم يكن له معرفة بدلالة الألفاظ، ومواقع المخاطبات سوى بين المختلفات، وفرق بين المؤتلفات.