فهرس الكتاب
نخلص من كل ما تقدم إلى أن الأدلة منحصرة ، من جهة لأنها متوقفة في ثبوتها على الشرع ، ومن جهة أخرى لأنها من الشرع العام الذي يعتبر من مجالات الفتيا . ولما كانت الفتيا تبليغًا عن صاحب الشرع ، فإنه يلزم المبلغ فيما يخبر به عن الشرع العلم بما يخبر به ، قال الله جل وعلا: { ولا تَقْفُ ما ليس لكَ به علمٌ إنَّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كُلُّ أُولَئِك كان عنهُ مَسْئُولا } [1] ، كما يلزمه الصدق فيما يخبر به ، قال الله تعالى: { فمن أظلمُ ممن كَذَبَ على اللهِ وكَذَّب بالصدق إذْ جاءه ألَيْس في جهنمَ مثوًى للكافرين [2] } ، وقد بين العلامة ابن القيم اجتماع هذين الشرطين في المبلغ فقال: « ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ ، والصدق فيه ، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق ، فيكون عالما بما يبلغ ، صادقا فيه ، ويكون مع ذلك حسن الطريقة ، مرضي السيرة ، عدلا في أقواله وأفعاله ، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله .
وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ، ولا يجهل قدره ، وهو من أعلى المراتب السنيات ، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات ؟
فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته ، وأن يتأهب له أهبته ، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق ، والصدع به ، فإن الله ناصره وهاديه ، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا?يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } [3] ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة ، إذ يقول في كتابه: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } [4] .
(1) - الإسراء: 36.
(2) - الزمر: 32.
(3) - النساء: 127.
(4) - النساء: 176.