إلى أرض النبوة (1/2)
الأستاذ/ علي الطنطاوي
حين تصل هذه المقالة إلى الرسالة، يكون الراكب الذي خرج من دمشق منذ أسبوعين يؤم الحجاز قد شارف المدينة إن شاء الله، وهو أول ركب من الزوار يسير على الطريق الذي كشفناه، وفيه قرب من ثلاثمائة رجل وامرأة، ووصوله سالمًا إلى المدينة، وذلك -بفضل الله- مؤكد، هو الثمرة الأولى لرحلتنا الكشفية التي رحلناها في ربيع سنة 1935. ولقد كان أول ما خطر على بالي حين دعيت إليها وضع كتاب عنها، فكنت أتأبط دفتري دائمًا، فلا نسلك طريقًا، ولا نقطع واديًا، ولا نرى جبيلًا، إلا كتبت اسمه وصفته، وطبيعة أرضه، ولا نمر على قوم إلا سألت عن أنسابهم وأحوالهم، ووصفت مساكنهم، وذكرت ما عرفت من عاداتهم، وسمعت من لغاتهم، ولا بتنا ليلة إلا ذكرت كيف حططنا الأحمال، وكيف نهضنا للارتحال، ولا أرى منظرًا، أو أشهد مشهدًا، إلا ذكرت أثره في نفسي، وما أثار فيها من عاطفة، أوهاج من ذكرى، على ضبط في الأرقام، وتحر في جميع الأخبار، وتوثق من صدق الراوي وخبرته، حتى إذا دنونا من المدينة وأوفى الكتاب على الكمال، وقارب النهاية، امتدت إليه يد لا يعلمها إلا الله فذهبت به، فأيست منه وأهملته، وجعلت لا أكتب شيئًا، ولا أدون خبرًا، إلا ما كان من وصف طريق العودة فهو مكتوب عندي، وما كتبت من المقالات في مجلة الرسالة أو في غيرها.