فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 34 من 39

وقال أيضًا: رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق؛ لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء. وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا ليكون سببًا لرقة قلبك [1] .

كما حذر من حال بعض الفقهاء الذين وصفهم بقوله: (جعلوا النظر جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة، ومسائل الخلاف وإن كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب) [2] .

وخذ مثلًا لذلك تلك القصة عن صلاح الدين الأيوبي وما لها من أثر في رفع الهمة وعدم القناعة بالدون من الأهداف:

(هذا أحد أصحابه يحكي أنه كان سائرًا معه من عسقلان إلى عكا، وكان الزمان شتاء عظيمًا والبحر هائجًا هيجانًا عظيمًا، وموجه كالجبال، كما قال الله تعالى. قال: وكنت حديث عهد برؤية البحر، فعظم أمر البحر عندي حتى خيل لي أنني لو قال لي قائل: لو جزت في البحر ميلًا واحدًا ملكتك الدنيا لما كنت أفعل، واستخففت رأي من يركب البحر رجاء كسب دينار أو درهم، واستحسنت رأي من لا يقبل شهادة راكب البحر، هذا كله خطر لي لعظم الهول الذي شاهدته من حركة البحر وتموجه.

(1) ... نحو المعالي ص55، 56، ونقلها عن صيد الخاطر ص216.

(2) ... نحو المعالي ص56، ونقلها عن تلبيس إبليس ص116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت