فنقول مستعينين بالله: نعم من أتى بهذه المباني ولم يُشرك بالله شيئًا فقد أتى بالتوحيد اللازم ولكن أنْ يأتي بشهادة التوحيد ويناقضها فقد أتى بالشيء وضده, فالتوحيد الذي دعت إليه الرسل عليهم السلام وأُنزلت من أجله الكتب وبه قامت العداوة بين أهل الأيمان وأهل الشرك هو توحيد الألوهية الذي هو إفرادُ الله تعالى بالعبادة, والعبادة كما عرّفها شيخ الاسلام ابن تيميه: (هي اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة) فنحن نعلم من خلال ما قصّ الله تعالى علينا في القران الكريم أنَّ المشركين الذين بُعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا مُقرين بتوحيد الربوبية ولم يكونوا جاحدين لها, ومن جحد الربوبية كانوا أيضًا مقرين بها في أنفسهم ( وجحدوا بها وآستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلّوا) , فهم يعلمون بالفطرة أنَّ الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع المالك المعطى المانع هو الله وحده, ولكن كان شركهم أنهم جعلوا بينهم وبين الله سبحانه وتعالى وسائط في جلب الرزق وطلب الشفاعة وقضاء الحاجات, فمنهم من كان يعبد ـ وليست العبادة هنا أن تنسب إلى المدعو من دون الله شيئًا من صفات المولى عز وجل ـ الأنبياء والصالحين والملائكة والجن, وهؤلاء صرفوا الدعاء الذي هو العبادة كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى غير الله تعالى, فسمّاهم الله مشركين وكفرّهم بذلك وقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم والذي يعُرف من سيرة الصحابة أنهم كانوا يستشفعون بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فاستشفعوا بدعاء غيره كما في حادثة استسقاء عمر والصحابة بالعباس رضي الله عنه أيام خلافة عمر رضي الله عنه, والنبي صلى الله عليه وسلم كان أشد حرصًا على حماية جناب التوحيد من المساس به, فقد ظل طوال 13 عامًا في مكة يدعو قائلًا: ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره) وقد لعن اليهود