فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 48

وحيث أن حفظ القرآن يبدأ به المرء من الصغر، فقد يرى بعض الشباب أن القطار قد فاته، وأنه قد مضى فترة من عمره دون أن يحفظ، فتبقى سير بعض الشيوخ الذين حفظوا وهم كبار دافعًا لأمثال هؤلاء ألا تنثني عزائمهم.

حين جاء الإسلام، ونزل هذا القرآن كان عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - (40) سنة، ومن أصحابه -رضي الله عنهم- من كان في سنه، بل من كان أسنّ منه، ومع ذلك حفظ جمع من أولئك القرآن الكريم.

ويحكى عن ابن الجوزي رحمه الله أنه قرأ بالقراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة.

ولازلت أذكر شيخًا أعمى لحيته ليس فيها شعرة واحدة سوداء يأتي إلينا في الحلقة -ونحن ندرس القرآن في الصغر- يتوكأ على عصاه، فكان الأستاذ يكلفني أن أُقريء هذا الرجل الأعمى، فكنت أقوم بذلك وشأني شأن الصبيان ـ على كره مني ـ لأن ذلك يأخذ عليّ وقتًا، فكان يحفظ كل يومٍ صفحة كاملة فأقرأها عليه ثم يقرأ خلفي، وما هي إلا فترة يسيرة حتى يحفظ ويتقن هذه الصفحة، ثم يأتي من الغد فلما افتقدته في الحلقة وصار لا يأتي سألت عنه فأُخبرنا أنه قد مات رحمه الله.

إنها صورة من تلك الهمة العالية التي تدفع هذا الشيخ الذي قد هرم ورق عظمه، وصار لا يبصر، تدفعه إلى أن يجاهد ويوفر وقته على حفظ كتاب الله عز وجل وهي تنادي على كثير ممن يّدعي ويتصور أن القطار قد فاته، تنادي: ـ"إن كان هؤلاء يدركون فأنت أولى أن تدرك وتُحصّل".

من أخبارهم في الإقراء:

أول من سن الحلق للإقراء الصحابي الجليل أبو الدراداء -رضي الله عنه- فعن مسلم بن مشكم قال:قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا، قالوا: فجاءوا ألفًا وستمائة ونيفًا فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح انفتل وقرأ جزءًا فيحدقون به يسمعون ألفاظه، وكان ابن عامر مقدمًا فيهم، فلكل عشرة منهم ملقن فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت