فهرس الكتاب
فما أسعد هؤلاء بالثناء والشهادة من صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ، وحين يتذكر من يعلم القرآن هذا المعنى، ويقرأ سير أولئك يستهين بما قد تحدثه نفسه به من أن الجلوس لتعليم القرآن وتخفيظه مشغلة للوقت، ويشعر أن ذلك من خير ماتنفق فيه الأوقات، وأن الله سيعوضه بإذنه خيرًا مما فاته، ويستهين بما يلقاه من معاناة تعاهد الصبية ورعايتهم.
والتعليم الأتم والأكمل لايقف عند مجرد الإقراء والحفظ، بل يتجاوز ذلك إلى غرس معاني القرآن في النفوس، وتربية الشباب على حب هذا الكتاب وتعظيمه، وعلى التأدب بآدابه والعمل بما فيه.
إنها رسالة سامية، ومرابطة على ثغر من ثغور الأمة، وخطوة مهمة في إعداد لبنات بناء صرحها الشامخ، فهذه رسالتك يامعلم القرآن، واجعل نصب عينيك وصية الله تبارك وتعالى لنبيه {ولاتمدن عينيك إلى مامتعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا} (طه:131) .
تحمل المشاق:
حين أدرك أولئك علو شأن القرآن، وأن منزلة أهله لاتنال برخيص الثمن، بذلوا قصارى مايطيقون وتحملوا المشاق، وهذه طائفة من أخبارهم في ذلك:-
قال شعبة -أبو بكر بن عياش الراوي عن عاصم -:- تعلمت من عاصم ولم أتعلم من غيره، ولاقرأت على غيره، واختلفت إليه نحوًا من ثلاث سنين، في الحر والشتاء والأمطار [1] .
وحين جاء ورش -عثمان بن سعيد الإمام المقريء- إلى نافع من مصر إلى المدينة ليقرأ عليه، وشفع له لديه أحد أصحابه -كما يروي هو- قال، قال لي نافع: أيمكنك أن تبيت في المسجد؟ قلت: نعم، فبت في المسجد، فلما أن كان الفجر، جاء نافع فقال: الغريب؟ فقلت: ها أنا رحمك الله، قال: أنت أولى بالقراءة [2] .
(1) معرفة القراء الكبار (1/138)
(2) معرفة القراء الكبار (1/154)