فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 66

4 -الإفراط في العقوبة:

النفس البشرية تعتريها حالات من الضعف والقصور، ويقعد بها الهوى وتستجيب أحيانًا لداعي الشهوة على حساب أحكام الشرع ومنطق العقل، ومن ثم احتاجت إلى أن يؤخذ بزمامها، وأن تسلك معها وسائل متنوعة؛ إذ الإقناع وحده لا يكفي في حمل النفوس على الامتثال.

ومن ثم جاء الشرع بمبدأ العقوبة لتكون رادعًا عن وقوع النفوس في المحظورات وتقصيرها في المأمورات، وتنوعت العقوبات بين العقوبات الدنيوية التي يراها الناس حاضرة والأخروية التي تُدخر لهم في البرزخ والقيامة -عافانا الله وحمانا- وبين العقوبات الكونية التي تصيب الناس في أموالهم وأولادهم وأمنهم، والعقوبات الشرعية التي أُمر الناس أن يوقعوها على من أصاب ما يستوجب ذلك كالحدود والتعزيرات.

وكما أن إهمال العقوبات وتعطيلها مخالف لأمر الله، فالإفراط فيها ووضعها في غير موضعها هو الآخر مخالف لأمر الله تعالى، ومؤدٍ لتعطل مقاصد العقوبة وفواتها.

لذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أن يُتجاوز في العقوبة - فيما لا معصية فيه- عشرة أسواط، فقال:»لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله « [1] ، والمقصود بحدود الله على الصحيح المخالفات الشرعية، كما قال تعالى تلك حدود الله فلا تعتدوها وكما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر:» مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ... « [2] .

وحين يفرط المربي في العقوبة ينقلب الأمر إلى تأثير مضاد، فيدفع المتربي شعوره بأنه مظلوم إلى الإصرار على الخطأ وتبريره، وينشغل بالعقوبة التي وجهت له عن الاعتناء بإصلاح الخطأ، وكثيرًا ما يصر عليه ويتشبث به، ويكره الحق وأهله.

(1) رواه البخاري (6848) ومسلم (1708)

(2) رواه البخاري (2493)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت