الصفحة 154 من 1313

قال الراغب: نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيرًا كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريرًا قال الحكماء: من صحب خيرًا أصاب بركته فجليس أولياء اللّه لا يشقى وإن كان كلبًا ككلب أهل الكهف ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء ، قال علي كرم اللّه وجهه: لا تصحب الفاجر فإنه يزين لك فعله ويود لو أنك مثله ، وقالوا: إياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري وليس إعداء الجليس جليسة بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقًا مناسبة لخلق المنظور إليه فإن من دامت رؤيته للمسرور سر أو للمحزون حزن وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات فالحمل الصعب يصير ذلولًا بمقاربة الجمل الذلول والذلول قد ينقلب صعبًا بمقارنة الصعاب والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الذابلة ولهذا يلتقط أهل الفلاحة الرمم عن الزرع لئلا تفسدها ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة فما الظن بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها؟ فقد قيل سمي الإنس لأنه يأنس بما يراه خيرًا أو شرًا .

من أهم الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن يعيش بين إخوانه بالمودة والرحمة حتى يصيروا معًا كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى

(حديث النعمان بن بشير في الصحيحين) أن النبي ( قال: مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى .

[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير .

( مثل المؤمنين ) الكاملين في الإيمان

( في توادهم ) أي تحاب

( وتراحمهم ) أي تلاطفهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت