فهرس الكتاب
قالوا عن الشيخ: كثير المخالفة لأكثر العلماء المعاصرين ولو أنه وافق لكان أوفق. قلت: وهذه الكلمة من أخف الطعن على الشيخ بل ظاهرها الاسترشاد؛ ولذلك أقول: أيها الأخ اعلم أن من المقرر في علم الأصول أن على العالم إذا ترجح لديه شئ أن يفتي به، وذلك هو السر في فتاوى سلفية لبعض العلماء تجدها شديدة الغرابة؛ وذلك لأنه اعتقدها، وهذا أيضًا من علامات صحة القلب وهو ألا يضعف بكثرة المخالفين، فقد قاله ابن القيم رحمه الله في (إغاثة اللهفان) :"أن هذا من علامات صحة القلب"وقد قيل لإسحاق بن راهويه وقد أفتى في مسألة: قال بها أخوك أحمد بن حنبل. قال: والله ما ظننت أن يقول بقولي أحد. وعمل العلماء بازاء مثل هذه الفتاوى إن كانت خاطئة نبهوا على خطئها وفقط دون أي تعنيف؛ لأن قائلها مأجور غير مأزور لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران فإن أخطأ فله أجر واحد"فهذه حكومة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وهي أعدل وأحكم وأفضل كما هو بيّن، فمخالفة الشيخ لغيره من العلماء لا بأس بها لا سيما وقد خالف المعاصرين دون المتقدمين، فأكثر مسائل الشيخ التي اعترض عليها الناس إنما أفتى بها أكثر السلف، كمسألة حكم صلاة الجماعة مثلًا وقد سبق تفصيل ذلك، وبهذا التأصيل يتبين أن هذا لا مغمز فيه أصلًا والأهم هو موافقة السلف إذ هم منبع العلم وأصول المسائل عندهم لا عندنا، وغاية ما وصل إليه المعاصرون هو الترجيح بين أقوالهم فحسب.
إن ثبت هذا والذي قبله عُلِمَ أن الشيخ قد خرج من هذه أيضًا ولازال الناس يختلفون، ومن لم يعرف الخلاف لا يعرف الفقه ولا يفقه الدين؛ لأن الله تعالى فرق العلم بين الناس بنسب معلومة حسب ما قدره سبحانه وتعالى، فما نقص عند هذا كمل عند الآخر وبالعكس، وإن كان الكل لله فقيرًا وأنى له الكمال من خلق ظلومًا جهولًا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور:19)