فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 586

ومن أعظم المآخذ على معاوية إلزامه أهل الحرمين الشريفين من عظماء بني هاشم, وأشراف قريش, وأبناء المهاجرين, وأبناء الأنصار, بالبيعة ليزيد ولده, وتهديد من خالف بالقتل [1] .

(1) إن معاوية - رضي الله عنه - صحابي جليل, وقد اشتهر عنه حلمه - رضي الله عنه - , ولئن صح أنه هددهم بالقتل فقد ثبت عندنا أنه ليس بمعصوم, لا هو ولا غيره من هذه الأمة, ولكن بينه وبين الطاعنين حدود وسدود, وهو أول ملوك المسلمين وأعدلهم, كما قال ابن كثير رحمه الله عنه (8/ 21) , وقد أورد بعض أقوال العلماء فيه منهم عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه قال:"معاوية عندنا مِحْنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على القوم"، انظر البداية و النهاية لابن كثير (8/ 148) , وأيضًا الربيع بن نافع الحلبي (241 هـ) رحمه الله أنه قال:"معاوية سترٌ لأصحاب محمد، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه", المصدر السابق (8/ 148) , وقد وردت نصوص صحيحة في فضله وقد سبق كلام المصنف رحمه الله في بيان عقيدة أهل السنة في الصحابة - رضي الله عنهم - والإمساك عما شجر بينهم ص (321) الحاشية رقم (5) , وأيضًا في ص (422) , ويلتزم ذلك في شأنهم كله - رضي الله عنهم - , فهم عدول كلهم, فقد قال الحافظ ابن حجر في الإصابة:"واتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة", (1/ 17) , ولئن كان معاوية - رضي الله عنه - قد خالف في عدم جعلها شورى من بعده, ودعا لتولية ابنه يزيد, فهو مجتهد في ذلك, ولعله رأى المصلحة في ذلك, لئلا تقوم الفتنة والفرقة بين المسلمين بعده, ... فهو مجتهد إن لم يصب فله أجر اجتهاده - رضي الله عنه - , ولكن يبعة يزيد بعده صحيحة فقد بايع له أهل الحل والعقد ورضي بها جمع من الصحابة - رضي الله عنهم - , ولم يروا أنها باطلة بل, قد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح عنه قال:"حدثنا وكيع عن سفيان عن محمد بن المنكدر قال: بلغ ابن عمر أن يزيد بن معاوية بويع له فقال:"إن كان خيرًا رضينًا, وإن كان شرًا صبرنا", برقم (31216) , ولا شك أنها داخلة في الملك الذي وردت به النصوص الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"خلافة النبوة ثلاثون سنة، ... ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء", رواه أبو داود برقم (4646) ، وصححه الألباني في الصحيحة, ونقل تصحيحه عن تسعة من العلماء, برقم (460) , وأخرج الطبرانى عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أول هذا الأمر نبوة ورحمة, ثم يكون خلافة ورحمة, ثم يكون ملكًا ورحمة, ثم يكون إمارة ورحمة, ثم يتكادمون عليها تكادم الحمير, فعليكم بالجهاد, فإن أفضل جهادكم الرباط, وإن أفضل رباطكم عسقلان"برقم (11138) . وقال عنه الهيثمى في المجمع:"رجاله ثقات", (5/ 190) , ... ولا يجعل أمر قد قضاه الله تعالى, وأخبر به نبيه الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - , سلمًا يرقى به من تابعي ... إلى صحابي جليل, كمعاوية - رضي الله عنه - , خال المؤمنين, وكاتب وحي رب العالمين, فقد وردت النصوص الصحيحة في فضله - رضي الله عنه - , وقد أورد ابن كثير جملة من هذه الأحاديث عزاها لابن عساكر فقال:"قال ابن عساكر: وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس"أنه كان كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلم", أخرجه مسلم في صحيحه, -برقم (2604) -، وبعده حديث العرباض:"اللهم علم معاوية الكتاب", فضائل الصحابة برقم (1748) - والمسند برقم (696) -, وبعده حديث ... ابن أبي عميرة:"اللهم اجعله هاديا مهديا"- سنن الترمذي برقم (3842) -, قلت-أي ابن كثير: وقد قال البخاري في كتاب المناقب: ذكر معاوية بن أبي سفيان: حدثنا الحسن بن بشر، ثنا المعافى، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة قال:"أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى ... لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: أوتر معاوية بركعة بعد العشاء، فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"-برقم (3764) . حدثنا ابن أبي مريم ثنا نافع بن عمر، ثنا ابن أبي مليكة. قال: قيل ... لابن عباس:"هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ فإنه ما أوتر إلا بواحدة! قال: أصاب، إنه فقيه"-برقم (3765) -. ثنا عمرو بن عباس ثنا جعفر ثنا شعبة، عن أبي التياح قال: سمعت حمران بن أبان ... عن معاوية. قال:"إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليهما، ولقد نهى عنهما - يعني الركعتين بعد العصر - برقم (3766) - ثم قال البخاري بعد ذلك: ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة: حدثنا عبدان ثنا عبد الله يونس عن الزهري حدثني عروة أن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة - امرأة أبي سفيان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك [ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك] ، فقال: وأيضا والذي نفسي بيده. فقالت: يا رسول الله ... إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال: لا إلا بالمعروف". فالمدحة في قوله:"وأيضا والذي نفسي بيده"وهو أنه كان يود أن هند وأهلها وكل كافر يذلوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحب أن يعزوا فأعزهم الله - يعني أهل خبائها.-برقم (3825) ", البداية والنهاية (8/ 131) . ثم ولئن كان معاوية - رضي الله عنه - اجتهد في أمر يزيد وعهد إليه, فقد بايعة أهل الحل والعقد, وكانت دولة الإسلام بثقلها في الشام, ورضي من الصحابة العدول, وصدق ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - , مما إليه الأمر سيئول."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت