فهرس الكتاب
والله لولا محبتي لمُباشرتي السهر بصفحة وجهي، وافترش الجبهة لك يا سيدي، والمُراوحة بين الأعضاء في ظُلم الليل رجاءَ ثوابِكَ وحُلول رضوانك، لقد كنت متمنيًا لفراق الدنيا وأهلها.
ثم كسر جفن سفيه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، قال: فحُمِل من المعركة وإنَّ به لرمقات، فمات دون العسكر.
فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك، قال: فرآه رجل من إخوانه في منامه، فقال: يا أبا فراسٍ ما صنعت؟ قال: خير الصنيع.
قال: إلى ما صرت؟ قال: إلى الجنة، قال: بِمَ؟ قال: بحسن اليقين وطول التهجُّد وظمأ الهواجر.
قال: فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك؟
قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ، قال: قلت: أوصني، قال: اكسب لنفسك خيرًا لا تَخْرجْ عنك الليالي والأيام عُطُلًا.
ولا يَذْهَبَنَّ العُمْرُ منك سَبَهْلَلَا ... ولا تُغْبَنَنْ بَالنَّعْمَتيْنِ بل اجْهِدِ
فَمَنْ هَجَر اللَّذَاتِ نالَ المُنَى ومَن ... أكَبَّ على اللَّذَاتِ عَضَّ على اليَد
والله أعلم، وصل الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبرٌ ومواعظٌ
قيل: إنه مرض بعض العلماء وكف بصره واعتراه ألم لا يهدأ بالمُسكنات، فدخل عليه أحد تلامذته فوجده يبكي، فبدأ يواسيه ويحثُهُ على الصبر على ما أصابه.
فقال له: أنا لا أبكي ضجرًا من ألمي ولكنني أبكي فرحًا وسرورًا؛ لأن الله وجدني أهلًا لأن يبتليني، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سأله سعد بن أبي وقاص: أي الناس أشدُّ بلاءً؟ فقال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» .
فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتُلي على حسب ذاك، وإن كان صلب الدين ابتلى على حسب ذاك فما تزال البلايا بالرجل حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.