الصفحة 204 من 376

فقال له إنسان: يا أبا عبدالرحمن هو ذا أمير المؤمنين يسعى قد أخلى له المسعى، قال العمري للرجل: لا جزا ك الله عني خيرًا، كلفتني أمرًا كنت عنه غنيًا، ثم تعلَّق نعليه (أي لبسهما) .

وقام فتبعته وأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا، فصاح به: يا هارون، فلما نظر إليه، قال: لبيكَ يا عمّ، قال: ارْقَ الصّفا، فلما رقيه، قال: ارم بطرفك إلى البيت، قال: قد فعلتُ، قال: كم هُم؟ قال: ومن يُحصيهم؟ قال: فكم في الناس مِثْلُهُم؟ قال: خلقٌ لا يُحصيهم إلا الله.

قال: اعلم أيُها الرجل أنَّ كُلَّ واحدٍ منهم يُسألُ عن خاصَّة نفسه وأنت وحدك تسألُ عنهم كلّهم فانظر كيف تكون؟ قال: فبكى هارون وجلسَ وجعلُوا يُعطُونه مِنديلًا منديلًا للدموع.

قال العُمري: وأخرى أقولها، قال: قُلْ يا عَم، قال: والله إن الرجل ليُسْرفُ في ماله فيستحقُّ الحَجْرَ عليه، فكيف بمن يُسْرِفُ في مال المسلمين؟ ثم مضى وهارون يبكي.

قال محمد بن خلف: سمعتُ محمد بن عبدالرحمن يقول: بلغني أن هارون الرشيد قال: إني لأحبّ أن أحجّ كل سنة ما يمنعني إلا رجل من ولدِ عمر ثم يُسمعني ما أكره.

وقد روي لنا من طريق آخر أنه لقيهُ في المسعى فأخذ بلجام دابتّه فأهْوت إليه الأجناد فكفّهم عنه الرشيد فكلمه فإذا دموع الرشيد تسيل على معرفة دابتّه.

ثم انصرف، وأنه لقيه مرّةً، فقال: يا هارون، فعلتَ وفعلتَ، فجعل يسمعُ منه، ويقول: مقبولٌ منك يا عم على الرأس والعين.

فقال: يا أمير المؤمنين من حال الناس كيتَ وكيتَ، فقال: عن غير علمي وأمري وخرج العمري إلى الرشيد مرّة ليعظه فلما نزل الكوفة زحف العسكر حتى لو كان نزل بهم مائة ألف من العدوّ ما زادوا على هيبته، ثم رجع ولم يصلْ إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت