أستغرب حديث الدكتور، ما دخل الرقص بمحاضرة عن التاريخ المعاصر؟ تذكرت بأن الليلة ستقام حفلة راقصة في نادي الساحل الأزرق، أيقظت بي أحلامًا لعالمي الخاص الذي لم يكن أبدًا خياليًا. كما حدثنا أستاذنا عن: ثورة الزنوج، الثورة الفرنسية، والعالم الجديد... إن هذه المحاضرة حلم أيضًا، بينما الرقص حقيقة ملموسة... أوه... ما زال الدكتور يلعلع بحماس:
-التاريخ المعاصر للعالم أصبح: الصراع بين القديم والجديد، البداوة والتكنولوجيا، اللا مألوف والمألوف.
ولم يتبدل الوضع إلا بالحرب التكنولوجية. فالتكنولوجيا تسخرها القوة العظمى للهيمنة على العالم، وفرض النظام الرأسمالي رغم انتهاء الصراع الأيديولوجي بين الماركسية والليبرالية. أصبح الوضع في إطار اقتصادي بحت، عجزت الدول النامية عن استثمار التكنولوجيا التي أصبحت سلاحًا لحل معظم المشاكل في العالم -هنا- انهار التوازن والعالم يرقص على إيقاعات انهيار دقائق ساعة البلدان النامية.
دكتورنا المحاضر يبدو كنابليون الخاسر في واترلو، أستعيد لحظات العشق، الصخب، والموسيقى... أشعر بتدفق دمي وهو يصعد إلى رأسي بازدياد صخب موسيقى الجاز، اهتزازات، انحناءات، التواءات أجساد الفتيات الغضة الناعمة- عندما تداعبها أصابع الراقصين تجد الحياة حلوة بكل ما فيها وسط النظام الدولي الجديد. يا ليت المحاضرة تنتهي. إلا أن أستاذنا يستطرد مضيفًا:
-عمرنا قصير، ولن نعيش طويلًا. لهذا أنتم التاريخ المتجدد بأجيالكم القادمة، وجيلكم سيدحر النظام الدولي الجديد...
فيقاطعه أحد الطلاب:
-دكتور! أصبحنا نفتقد الآن أشياء إذا ما تذكرناها سنبكي، أضحينا بحاجة ماسة إلى تلك الأشياء الثمينة.
فمن الواضح أن الإنسانية غارقة وسط ضجيج الرقص، وصخب الإعلانات المزعجة. تنهد أستاذنا الجامعي وأجاب:
-كلامي صحيح بعض الشيء!
سأضرب لكم مثالًا يفند ما أشرت إليه: إذا حدث طلاق بين زوجين في أمريكا، وكان الذي قد طالب بالطلاق الزوجة، وسبب دعواها للانفصال: قد وضعت في سرير الزوج قططًا، وعمدت إلى تدثيرها بدثار الزوج مدعية بأن الزوج بإمكانه تحمل البرد بينما القطط لا يمكنها ذلك. أرأيتم؟!
رغم هذا لا يكون ما يفقدونه ضرورة تجعلهم يخسرون حياتهم. بل يجددونها...
قاطعه زميل آخر قائلًا:
-إن كلامك يا دكتور يقودنا إلى التساؤل التالي: -ما هي الحياة؟